المكتبةمقالاتمقالات وحوارات

تركيا والأزمات الدبلوماسية

في خضم أحداث الحرب العالمية الثالثة التي تعيشها المنطقة، وهندستها وفق خرائط وتقسيمات ومشاريع وأنظمة سياسية جديدة لإدارتها؛ مما دفع بتركيا لتنبي استراتيجيتها القائمة على استعادة إرثها التاريخي، من خلال العمل على استعادة الأراضي التي خسرتها الدولة العثمانية سابقاً، وهي الاستراتيجية التي توجه وترسم اليوم ملامح ومحددات السياسة التركية في ظل توجهات أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، الذي يعمل في إطار هذه الاستراتيجية على الحضور من خلال تدخلاته الإقليمية؛ التي تخالف الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية من جهة، ومن جهة أخرى تعارضها مع المشاريع والاستراتيجيات والسياسيات الدولية والإقليمية والمحلية.
مما دفع تركيا إلى اتباع سياسات وتكتيكات لتحقيق استراتيجياتها للمئوية القادمة، التي لا تتوقف عند حدود استعادة الدولة العثمانية القديمة لوحدها، وإنما بلبوس أردوغاني – عثماني، يحاول منافسة وتحدي القوى العالمية.
تلك الاستراتيجية التي دفعت بها إلى ممارسة سياسات داخلية وخارجية قائمة على نهج القوة والضغط والابتزاز والتدخلات السافرة؛ ضاربةً عرض الحائط جميع القوانين والأعراف الدولية، مما تسبب لها بأزمات دبلوماسية حادة، لكنها لم تشكل ردعاً لسلوكياتها؛ لذا نجدها تغوص في مستنقع الأزمات الدبلوماسية يوم بعد يوم، استراتيجية كانت كفلية بنقلها من مرحلة صفر المشاكل إلى صفر العلاقات مع محيطها، إضافة لعزلة إقليمية ودولية واضحة.
عزلة دفعها إلى اتباع تكتيك وسياسة مرحلية وقتية؛ لتخفف من حدة العزلة التي تعاني منها لاستكمال تنفيذ استراتيجيتها؛ عبر اطلاقها دعوات لإعادة تطبيع علاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي؛ إلا أنها لم تحقق تطورات ملموسة في هذا المنحى بسبب ذهنيتها التوسعية العنصرية الاحتلالية؛ والقائمة على منطق الغزو والنهب الذي أفقدها الثقة من قبل المجتمع الدولي .
استراتيجيات دفعتها إلى ممارسة أقصى درجات انتهاكات لحقوق الإنسان بحق معارضيها وشعوبها؛ وكانت آخرها التصفية التي تجلت من خلال افتعالها للانقلاب العسكري وما زالت ماضية في ذلك، مما زاد من سجلها المليء بانتهاكات حقوق الإنسان، والتي كانت ومازالت من أحد الأزمات الحقيقية التي منعت انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي؛ ودفعه نحو فرض المزيد من العقوبات عليها؛ ليس بسبب انتهاكاتها داخلياً بل لدعمها لجماعات وتنظيمات إرهابية؛ حيث صدر مؤخراً تقريراً يثبت تورط تركيا في دعم تنظيم داعش الإرهابي في تفجيري أنقرة وسروج؛ والتي راح ضحيتها عشرات المدنيين العزل.
انتهاكات دفعت بعشر سفارات دول غربية مطالبة تركيا بالإفراج عن الناشط عثمان كافالا؛ مما دفع الحكومة بإصدار قرار بطرد سفراء الدول العشر، الأمر الذي تسببت بأزمة دبلوماسية بينها وبينهم؛ ولكن أروغان سرعان ما تراجع عن قراره، معلاً السبب بتراجع السفراء عن مطالبهم عبر اصدار بيان مشترك؛ تضمن “احترام اتفاقية فيينا والمادة 41 منها التي تضع إطاراً للعلاقات الدبلوماسية؛ وتحظر أي تدخل في الشؤون الداخلية للبلد المضيف”. بالرغم أن البيان لم يشر إلى أي تراجع عن قرارهم لكنها خطوة من أردوغان لمنع المزيد من العزلة مع الدول الغربية؛ ولما لها من تداعيات على اقتصادها والتي تعاني من الهشاشة في الأساس.
أما خارجياً فتجلت تنفيذ استراتيجيتها عبر تبنيها زعامة العالم الإسلاموي بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة عبر دعمها للجماعات الإسلاموية المتطرفة؛ فكانت مصر لما تتمتع من قوة وحضور إقليمياً أحد ساحات المنافسة لها عبر دعمها لجماعات الإخوان المسلمين المصرية، والتي فشلت بسبب القيادة الحكيمة للجيش والشعب المصري، مما تسبب بذلك بخلق أزمة دبلوماسية حقيقية مع الجمهورية المصرية، مما دفع بها إلى إعادة تطبيع العلاقات بين الدولتين، كون باتت سياسات التركية محل عدم ثقة من قبل غالبية المجتمع الدولي دفع بمصر إلى اطلاق تسمية المباحثات بينهما بـ ” الاستكشافية” للتأكد من مدى صدقية والتزامها بالوعود.
إعادة تطبيع التي لم تشهد النور بعد، بالرغم من اطلاقها منذ شهور بل على العكس نجد في بعض الأحيان تصعيد على المستوى الدبلوماسي تركياً، كون تركيا تعلم علم اليقين بتخليها عن نهجها –دعم الإخوان- ما يعني فشل استراتيجيات، وبل معارضة ومناهضة داخلياً لما تعانيه من تدهوراً في المستوى المعيشي، والتي تعود في أحد أهم أسبابها للسياسات التركية الخارجية من ناحية، ومن ناحية أخرى الاضطهاد والانتهاكات التي تمارسها حيال شعوبها.
حيث أن، وبعد مشاركة مصر في القمة الثلاثية اليونانية- القبرصية – المصرية وصدور بيان تؤكد على التعاون ودعم الاستقرار والأمن في المنطقة؛ عبر وضع حد لدول المزعزعة للأمن والاستقرار، سرعان ما دفعت تركيا إلى اصدار بيان ترفض البيان الصادر عن القمة الثلاثية؛ بل على العكس فقد اتهمت مصر بعد الإدراك والفهم “الحكومة المصرية لم تدرك بعد العنوان الحقيقي حيث يمكنها التعاون في شرق المتوسط ، لقد أظهرنا للصديق والعدو أن النجاح لا يمكن أن يكتب لأي مبادرة شرق المتوسط لا تشارك فيها تركيا وجمهورية شمال تركيا”.
في تحدٍ صارخ بأن أي تعاون ونشاط لا تشارك فيه فهو غير معترف به تركياً؛ وهذا أكبر دليل على الذهنية الانكارية واللغة الاستعلائية؛ وانكار الآخر كعقلية تتمتع بها تركيا، وبل اتهام الدول الثلاثة بدعم الإرهاب في خطوة منها لتشويه الحقائق واسقاط ما تقوم بها من دعم الجماعات الإرهابية المرتزقة سواء في ليبيا أو أرمينيا أو سوريا عبر خطابها الغوغائي؛ واتهاماتها الجاهزة ليست ببعيدة عنها، فلطالما لجأت إليها لتمرير سياساتها وتشويه الحقائق.
و لم تتوقف عند هذا الحد، بل على العكس نجد هناك دوراً تركيا واضحاً من وراء الخلافات بين القيادات الإخوانية في أنقرة ولندن؛ ورفض قيادات أنقرة التنازل عن القيادة وقبول نهج وسياسة قيادات لندن بإجراء مصالحة مع الحكومة المصرية والقبول والاعتراف بالرئاسة المصرية؛ في خطوة منها لإبقاء زمام قيادة وتوجيه الإخوان بيدها.
بالإضافة لممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة المصرية بالتنازل عن مطالبها ومواقفها بخصوص رفض وجود القوات الأجنبية في ليبيا وسوريا؛ وغيرها من الممارسات التركية التي تتسبب في زعزعة أمن واستقرار المنطقة، إلى بيع طائرات دون طيار التركية لأثيوبيا والتي تعيش أزمة حقيقية مع مصر بخصوص سد النهضة، لكن على العكس من ذلك دفعت بمصر إلى التأكيد والإصرار بمطالبها وتأكيدها على إخراج المرتزقة من ليبيا، ووحدة الأراضي السورية، وسحب الدعم من الإخوان، وتسليم بعض القيادات للحكومة المصرية وغيرها من المسائل التي تتسبب في زعزعة أمن واستقرار المنطقة.
ففي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي إلى حلحلة الأزمة السورية والقضاء على البؤر والمجاميع الإرهابية، وإيقاف التصعيد، والبدء بمرحلة انتقال سياسي، مستغلة تركيا المعركة الأخيرة تقودها الحكومة السورية بدعم ومساندة حلفاءها الروس والإيرانيين وبموافقة أمريكية ضمنية، هددت تركيا وعبر أبواقها الإعلامية وتعزيزاتها العسكرية بشن حملة عسكرية لاحتلال المزيد من الجغرافية السورية من مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا؛ وممارسة أقصى درجات الإرهاب النفسي على سكان المنطقة؛ في خطوة منها لدفعهم إلى الهجرة معلنة ساعة الصفر لإطلاقها، ولكن سرعان ما تراجعت عن عملياتها تلك كما قرار طرد السفراء مرجعة السبب إلى عدم ملائمة الظروف الدولية في الوقت الحالي.
يبدو أن العلاقات الدبلوماسية التركية الروسية والتي جنت من خلالها تركيا العديد من المكاسب عبر سوتشي وآستانا؛ تعيش مأزقاً حقيقياً انطلاقاً من السياسيات الروسية البرغماتية المرحلية؛ والتدخلات التركية في الدول التي تعيش أزمات حقيقية في روسيا؛ وبشكل خاص دعمها لأكرانيا والتي هي بمثابة خط أحمر للروس لما تشكله من تهديد على أمنها القومي؛ ربما يكون دفعاً إلى المزيد من الخسائر التركية لما كسبته عبر مقايضات مع الروس، وبل الأكثر من ذلك علاقة تسببت لها بخلق أزمة حقيقية لها مع الناتو بطردها من تصنيع طائرات إف 35؛ والأكثر من ذلك ليس في التصنيع حتى منها الشراء على خلفية شراء منظومة إس 400 الروسية.
استراتيجية تسببت بعزلة تركيا، وعداء مع شركائها وحلفائها حتى التاريخين، واطلاق تهديدات وتحديات على سبيل المثال مبررة تواجدها في سوريا أسوة بالأمريكان والروس؛ متناسية بأنها تؤدي دورها الوظيفي في المنطقة، استراتيجية أعطت المجتمع الدولي -دولياً وإقليمياً ومحلياً- انطباعاً بأن تركيا السبب الأساسي والرئيسي لزعزعة أمن واستقرار المنطقة؛ عبر دعم الإرهاب وانتهاكات للقانون الدولي والإنساني، مواقف دفعت تركيا بدلاً من مراجعة استراتيجيتها وسياساتها إلى ممارسة لغة تهديد والابتزاز؛ ومواقف مضطربة ومتغيرة أسهمت في فقدان المزيد من ثقة المجتمع الدولي بها؛ لذلك فقد أصبح من الضرورة – بسبب حجم التدخلات التركية – فرض المزيد من العقوبات عليها وغيرها من الإجراءات، والتي من الممكن أن تسهم في إحداث تغييرات في الداخل التركي؛ في مراحل ما بعد انتخابات 2023 عبر دعم المعارضة.

زر الذهاب إلى الأعلى