مقالاتمقالات وحوارات

ليلى موسى تكتب: داعش حبل النجاة الأخير

لطالما حلم أردوغان بتنفيذ أطماعه في المنطقة، من خلال تنفيذ استراتيجيته التي تركز على قيادة العالم الإسلامي تحت عباءة الدين، واستعادة السلطنة العثمانية بلبوس جديد، تحت مسمى بـ ” العثمانية الجديدة”، التي كانت أحد أدواتها استراتيجيته دعم الجماعات الإسلاموية الراديكالية المتطرفة، التي تحاول استنساخ الخلافة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين.
وكانت سوريا أحد الحواضن التي حققت ما كان يصبو إليه عبر دعمه في بداية الحراك الثوري الفصائل الإسلاموية بمسمياتها المختلفة؛ قبل أن تتطور  إلى سياسات أردوغان بالدعم اللامحدود عسكرياً ولوجستياً ومادياً ومعنوياً لتنظيم داعش الإرهابي، هذا الدعم الذي لم يكن ولم يعد خافياً على أحد حيث صدرت العشرات بل المئات من التقارير التي تثبت تورط أردوغان وحكومته بدعم هذا التنظيم، وما زال ماضياً في دعمه.
ففي كل مرة يتلقى هذا التنظيم ضربات موجعة من قوات سوريا الديمقراطية؛ وبدعم ومساندة التحالف الدولي، حيث تقوم تركيا تحت ذرائع وحجج واهية بقصف واحتلال بعض المناطق للإبقاء على التنظيم نشطاً ومعرقلاً لأي تقدم في مسار القضاء على الإرهاب وإنهاء الأزمة السورية.
معركة كوباني والتي شكلت بداية نهاية دولة الخلافة المزعومة؛ حيث كان العالم يترقب بحذر ما ستؤول عليها هذه المعركة لدحر الإرهاب وحماية السلم والأمن الدوليين؛ كان أردوغان يعمل طوال فترة المعركة كأنه ناطق باسم تنظيم داعش ويقول:”كوباني ستسقط”، لكن مقاومة الكوبانيين وأخوتهم في الإنسانية بانتصاراتهم على تنظيم داعش قلبوا موازين القوة إلى صالحهم؛ هذا الانتصار الذي كان بمثابة بداية المسمار الذي دقّ في نعش أردوغان. الانتصار الذي دفع بأبناء مدينة منبج أول المدن التي أعلن فيها تنظيم داعش إلى التأسيس والتعريف بنفسه، لما تحمله هذه المدينة من رمزية لدى داعش والخليفة أردوغان، وذلك بتوجيه دعوة لقوات قسد والتحالف بتحريرها من رجس إرهاب التنظيم.
وبالفعل تحقق ذلك بفضل تكاتف وتلاحم السوريين بتحرير المدينة؛ وإدارتها من قبل أبناءها، حيث بات الخطر يحوم حول أردوغان وداعش وللتقليل من خطورة هذا الخطر على استمرارية تنظيم داعش الوجودية؛ سرعان ما لجأ أردوغان إلى عقد صفقات مع الروس والحكومة السورية عبر التنازل عن مدينة حلب مقابل الحصول على الضوء الأخضر من الروس؛ كون المنطقة كانت ضمن النفوذ الروسي، بإطلاق عملية تحت مسمى درع الفرات لاحتلال الباب، وإعزاز، وجرابلس، عبر عملية استلام وتسليم بين التنظيم والدولة التركية، و في مسعى من أردوغان لقطع الطريق أمام حملات التحرير التي تقودها قسد من تنظيم داعش أولاً، وثانياً للحفاظ ولضمان بقاء تنظيم داعش في تلك المنطقة.
ففي عام 2018 حينما كانت قسد والتحالف يستكملان حملات تطهير المنطقة من إرهاب داعش في أخر معاقله في مدينة دير الزور، أقدم أردوغان كما في المرات السابقة – وعبر صفقة مقايضة مع الروس والحكومة السورية-  بالتنازل عن الغوطة مقابل إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى ” غصن الزيتون” لاحتلال مدينة عفرين، لتشكل ملجأ آمناً لعناصر التنظيم الفارين من المناطق المحررة، والإبقاء على بؤر التوتر وإطالة عمر الأزمة، ومعرقلاً جهود قسد في محاربة الإرهاب.
طبعاً أطماع أردوغان لم تتوقف عند هذا الحد، بل وزاد من وتيرة عدوانه على الشعب السوري للإبقاء على التنظيم حياً ونشطاً، بعد الإعلان من قبل قسد والتحالف بالقضاء على التنظيم ميدانياً وجغرافياً؛ وعبر مؤامرة مع الرئيس الأمريكي الأسبق ترامب، والضوء الأخضر الروسي، قامت تركيا وعبر مرتزقتها من السوريين بإطلاق عملية تحت مسمى ” نبع السلام” في تشرين أول 2019؛ والتي تم بموجبها احتلال مدينتي سري كانبه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض).
حيث أن كل عملية تقوم بها تركيا تمنح دفعاً معنوياً لخلايا التنظيم ودفعهم لممارسة نشاطاتهم الإرهابية بالاعتماد على تكتيك الذئاب المنفردة.
فأثناء إطلاقها لعملية تحت مسمى ” نبع السلام” قامت بقصف مخيم وسجن عين عيسى، اللذين يضما الآلاف من عناصر وعوائل تنظيم داعش؛ مما تسبب بذلك إلى فرار العديد منهم إلى المناطق المحتلة من قبلها، لينظموا ضمن الفصائل المدعومة تركياً؛ حيث الكثير من قيادات داعش تترأس تلك الفصائل.
مما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية حينها إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية المعلنة في الأمر التنفيذي 13894 بتاريخ 14أكتوبر/ تشرين الأول 2019 بسبب الهجوم التركي على مناطق شمال وشرق سوريا، والذي تسبب في تقويض حملة هزيمة داعش، وتعريض المدنيين للخطر، مما جعل المنطقة عرضة للمزيد من التهديدات التي تقوض السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
وبعد دخول الأزمة السورية عامها الحادي العاشر، ولتكثيف الجهود الرامية لإيجاد مخرج لهذه الأزمة وحلحلتها؛ لوح أردوغان بعزمه على عمليات عسكرية احتلالية جديدة للمنطقة؛ وسط خلافات مع الروس لعدم التزامه بالاتفاق على تحييد الإرهابين في إدلب، بالتوازي مع التحضيرات التي قام بها النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين؛ وذلك بإطلاق معركة إدلب، لكن يبدو أن الظروف هذه المرة ليست كما يريدها أردوغان، وموازين القوة ليست في صالحه لفرض أجنداته وشروطه بإطلاق أية عملية عسكرية جديدة.
تهديدات وممارسات أردوغان وحكومته دفعت الولايات المتحدة إلى تمديد حالة الطوارئ الوطنية ذات الرقم 13894 على تركيا؛ بسبب سلوكيات أردوغان المزعزعة للأمن والاستقرار؛ بالإضافة إلى إصدار الاتحاد الأوروبي تقريراً يثبت تورط تركيا في انفجارين نفذتهما داعش في 2015 في كل من أنقرة وسروج.
ولكن كل هذا لم يمنع أردوغان من العبث بأمن واستقرار المنطقة كسابقاتها بدفع أدواته من خلايا التنظيم إلى نشر الفوضى؛ فما شهده مخيم “روج” الذي يضم نساء وأطفال الدواعش مؤخراً من حرق الخيم من قبل نساء دواعش بمعزل عن تهديدات أردوغان بغزو المنطقة، لأنه يعلم يقيناً إن إنهاء داعش ستنتهي أحلامه التوسعية.
حيث أن تركيا وإلى جانب أدواتها تقوم بين الفينة والأخرى؛ انتهكت جميع الأعراف والمواثيق الدولية؛ وذلك بخرق الحدود السورية عبر الطائرات المسيرة، واستهداف مراكز ومؤسسات ومنازل المدنيين، وشخصيات مدنية عاملة في مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، آخرها كانت استهداف سيارة الرئيس المشترك لهيئة العدالة في مدينة كوباني والتي نتج عنها شهداء وجرحى.
هذا وإلى جانب تقوية حضورها في العديد من البلدان عبر دعمها لجماعات الإخوان المسلمين؛ الوجه الآخر لداعش وإثارة الفوضى وعرقلة جهود السلام والاستقرار عبر عملية سياسية انتقالية كما في ليبيا؛ بالإضافة ما شهدته قيادات جماعة الإخوان المصرية في تركيا ولندن بالرغم من حالة الضعف التي اصابت الإخوان المسلمين جراء انشقاق في صفوف قياداتها؛ لكن يبدو أن تركيا مصرّة على إبقاء القيادة بيد القيادات الإخوانية  المتواجدة في تركيا لإبقاء زمام الأمور تحت سيطرتها؛ بالرغم من تقديمها تعهدات لمصر بسحب الدعم من الجماعة كبادرة حسن نية لإعادة تطبيع العلاقات مع المصر؛ والتي لم تشهد تقدماً ملحوظاً حتى الآن. من الصعب إن لم نقل المستحيل كون الإخوان كما داعش أدوات لتحقيق مشاريع وأجندات أردوغان في المنطقة. على العكس من ذلك وجدنا تركيا توجه انتقادات لاذعة للحكومة المصرية بسبب مشاركتها في القمة الثلاثية المصرية –اليونانية- القبرصية.
يبدو أن هناك رغبة دولية وإقليمية في إنهاء الإرهاب والقضاء على بؤره؛ وخاصة بعد تسلم طالبان سدة الحكم في أفغانستان عبر لجم الجماعات الإخوانية، كما حصل في مصر وتونس والمغرب والجزائر، وفي سوريا عبر عمليات التحرير وملاحقة خلايا التنظيم في سوريا، سواء من قبل قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي؛ أو روسيا والحكومة السورية بتحرير إدلب وغيرها من المناطق. هذه المرة غير سابقاتها فاحتمال شنّ تركيا عملية عسكرية جديدة ضعيف جداً؛ لعدم وجود ضوء أخضر للقيام بذلك حتى الآن. ولكن كما أشرنا سابقاً تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي وستسمر في دعم الجماعات الإرهابية ودفعها إلى إثارة الفوضى وزعزعة أمن واستقرار المنطقة؛ لضمان بقاء واستمرارية تدخلها في الشؤون الداخلية للعديد من الدول.
قد نشهد في قادم الأيام دعماً من المجتمع الدولي للمعارضة التركية الداخلية؛ وخاصة أنّ حظوظ تجديد رئاسة أردوغان لولاية جديدة ضعيفة جداً؛ في ظل تراجع شعبيته، الأمر الذي قد يغير من اهتمامات حكومة العدالة والتنمية – كخطوة أولى-  للانشغال بالقضايا الداخلية؛ والتقليل من تدخلاتها في الشؤون الداخلية للعديد من دول المنطقة.

 

elbalad news

زر الذهاب إلى الأعلى