المكتبةمقالاتمقالات وحوارات

مقاومةُ الشهيدة بيريتان رمزٌ لحريّة النساء

 

العصرُ الذي يُسمى بعصر التقدم والوجود نرى بأنّ الحياة تتداخل فيما بينها و تتصارع على القوة و السلطة.. و كلُّ قوةٍ و تسلّط تُجابهان بعدم الرضوخ لهذه الحالة.. فلذلك تثور الأممُ و الشعوبُ و من هم بحاجةٍ إلى حياةٍ ذات معنى.

فطالبُ الحريّةِ والحقِ يعلمُ بأنّ هذا المطلب لا يُؤخذُ بسهولةٍ إنّما يدخل في حوارات و مجادلات كي يُحقِقَ ما يهابه. و إنّ البشريّة جمعاء تُلقى مع هذه المعاملة التي تُثقِلُ كاهلهم، و بالأخص النساء اللواتي دائماً يكنَّ ضمن هذه السلسلة و الدوامة، يحاولن ولا يصمتن.. فالتاريخُ يذكرُ أسماء العشرات منهنّ و يُمجّد البطولات و يسطّر بلا هوادة.

نعم؛ إنّه التاريخ المرهون باليوم، دائماً الهجمات، الممارسات و الذهنيّة واحدة فقط الزمان و المكان يتغييران.. مع مهد التاريخ والبشريّة حتى يومنا الحاضر حيث نرى هذه الأحوال بشكلٍ عام.

و حالُ المرأة في الشرق الأوسط واضحٌ و بادٍ للعيان و حتى هذا اليوم تُلقى مع أزماتٍ جديّة لا أحد يُساندها سوى نضالها. و إنّ هذا الشيء لظاهرٌ، فكلّما أرادتْ أيّةُ دولةٍ أو حاكم أن يتصرف ففي البداية يفرضُ الهيمنة الإيديولوجيّة (الفكريّة البحتة)؛ وقوّته على الفئة الفتيّة و المرأة لأنّه يرى في كلتا الفئتين العناصر المنتجة و هي عماد الوطن و لكنّه يدّعي بأنّهما غيرُ كُفؤ.. ويتوجبُ عليهما أن يخضعا لحكمهت التسلّطيّ.

إحدى أقوى الانتفاضات في وجه الظلم و اللاعدل هو خطّ و حركة تحرر كردستان، ومنذ أولى الخطوات والمرأة الكرديّة تُسطِّرُ الملاحم البطوليّة و تكتبُ للتاريخ و تُثبِتُ الوجودَ و الريادةَ؛ و الشهيدة بيريتان هيفي/ كلناز قره تاش المرأة الديرسميّة واحدة من النساء اللواتي أستقينَ من نبع فكر وفلسفة القائد أوجلان، أستمدينَ جسارتهنّ و صلابتهنّ من طبيعة و جغرافية بلادهنّ. فانضمامها في الصفوف الأماميّة للنضال الثوريّ، و لتحرير الوطن و الهويّة وممارسة الحق المشروع من دفاعٍ و حماية. حيث كانت الشهيدة بيريتان الفتيّة من المنتفضات في وجه الظلم و الذهنيّة السلّطويّة التي ترى في المرأة الجنس الضعيف الذي لا يستطيع فعل أيّ شيء. لكنّها ركّزتْ على مفهوم الجمال الروحي والمعنويّ أكثر من جمال الجسد أو ما شابه؛ و حطّمَتْ تلك القاعدة التهكُميّة و غرسَتْ فكر التحرر والجمال الروحيّ.

قبل التحاقها كانت تتلقى تعليمها في اسطنبول قسم الصحافة و من ثمّ عمِلَتْ ضمن الحركة كصحفيّة لنقل الوجه و الصورة الحقيقيّة للذهنيّة و العدو. و أيضاً كان تهدف إلى العمل على كتابة (رواية القائد) وذلك لشدة تأثرها بأفكار القائد. ففي عام 1991 انضمَتْ الشهيدة بيريتان لحركة التحرر الكردستانيّ؛ فرغم الظروف الصعبة وفي قمم جبال جودي برز دور المناضلة الرّياديّ بسبب فهمها لخط التحرير كما يُعبّر عنه القائد.

و رغم سنها الفتيّ وانضمامها حديثُ العهدِ إلّا أنّها قادَتْ و أصبحَتْ المثالُ الذيّ يُحتذى به، درّبَتْ نفسها و درّبَتْ المقاتلين و المقاتلات، و كانت راديكاليّة في أرآئها و واقعيّة في حياتها لذلك كانتْ تكشفُ الحقائق والوقائع.

إثر توقيع اتفاقيّة بين الدولة التركيّة و إيران والحزب الديمُقراطيّ الكردستانيّ في عام 1992 بغية القضاء على حركة حريّة كردستان. كانت الشهيدة بيريتان من الطليعيات اللواتي لم يرضخنَ و لن يستسلمنَ، بل قاومن حتى الشهادة دون خوف.

رغم استخدام الأسلحة الثقيلة والمتطوّرة ضدّ حركة التحرر الكردستانيّ، إلّا أنّ كتيبة الشهيدة بيريتان كانت في المقدمة و حاربَتْ حتى النهاية..  ومع نفاذ الذخيرة وقعتْ الشهيدة بيريتان في حصار البيشمركة، و لأنّها لم ترضَ لا الخنوع و لا الاستسلام كسرَتْ سلاحها و من أعلى قمة في جبل ليلكان و بصوت الزغاريد المهللة إلى الحريّة و الحياة الكريمة رمَتْ بنفسها من تلك القمة حتى تُثبِت أنّ المرأة المحاربة تُحِب و تُحارب في آنٍ معاً.

فتاريخُ استشهاد المناضلة بيريتان هيفي هو رمزُ الحريّة و فكرةُ الوجود.. و لعدم تقبّلها الخنوع أثّرَتْ في أحد جنود البشمركة الذي لم يبقَ ضمن الجيش و أكّد أنّها المرأة التي لا تتوانَ عن الحق والحياة الحرّة.

فمُقاومة الشهيدة بيريتان بداية لمرحلةٍ تاريخيّة جديدة في حركة حريّة كردستان؛ لأنّها رفعتْ راية الاتحاد وعدم الرضوخ للظلم و الخيانة.. و أفهمَتْ الجميع أنّ المرأة بإمكانها أنْ تُحارب وتصبح قياديّة في حربها وتستطيع العيش في أصعب الظروف. فهي التي فتحتْ خط و مسار تجييش المرأة الكردستانيّة و أنارَتْ درب جميع النساء اللواتي يعانين من ظلم تلك الذهنيّة السوداويّة.

خطّ الشهيدة بيريتان باقٍ

ليس هذا و فقط؛ إثر هجوم الغرابيب السود على منطقة شنكال.. النساء و الفتيات اللواتي لم يقبلن الأسر و الذّل رمينَ بأنفسهنَّ من أعالي القمم مزغرداتٍ للحريّة. هكذا مُجِّداتْ بطولة الشهيدة بيريتان، فأفعالُ الدولة التركيّة و حزب الديمقراطي الكردستانيّ اليوم لا تقل عن سابقاتها فوعيدها و التهديد بشأن الهجمات المُتجددة كلّ يوم دليلٌ على الخوف و الانكسارلذلك ـ الهجمات التي تطال المناطق السكنيّة وتستهدف النساء بالأخص ـ دليلٌ على الحقد و عدم قبول  تلك الروح الفدائيّة العاليّة، فكلّ يومٍ نراهما يستهدفان بالعينٍ العمياء والقلب المكتظ بالسواد الروح الحرّة و المقاومة بغية القضاء على الحياة الحرّة الكريمة.

مقاومةُ  الشهيدة بيريتان هو نهج الحياة لذلك فإنّ العشرات اليوم يحملنَ اسم بيريتان ويتسابقن من أجل استمرار هذه المقاومة؛ خاصة أنّ نهج و مسيرة الشهيدة مبني على فكر وفلسفة القائد أوجلان.

و بصدد مقاومة المرأة بغية الوصول إلى الحريّة يقول القائد أوجلان: أنّ المرأة التي تُحارب تتحرر؛و كلّما تتحرر تزدادُ جمالاً، و كلّما ازدادتْ جمالاً تزدادُ عشقاً.

زر الذهاب إلى الأعلى