دراسات وابحاث

الشهيدة زيلان.. منهل الحرية ومنبر البطولة والفداء

تحوّلت زينب كناجي (الشهيدة زيلان) بجرأتها وعمليتها الفدائية إلى منهل للحرية ومنبر للبطولة والفداء في تاريخ النضال الكردي الزاخر ضد دولة الاحتلالات والمجازر التركية. 

“حبي للإنسانية وتمسكي بالحياة النموذجية ومبتغاي في أن أكون صاحبة نضال وحياة ذات معنى عميق، دفعني إلى القيام بهذه العملية لتدون في سجل الخالدين” بهذه الكلمات عبّرت الشهيدة زيلان التي تركت ورائها إرثاً نضالياً زاخراً بالبطولة، عن عمليتها الفدائية في ديرسم.

عندما نفذت عمليتها تلك، لم يكن قد مضى على انضمامها إلى حركة التحرر الكردستانية سوى عام، لكنها استطاعت أن تدون اسمها في صفحات التاريخ، ولقبت بـ “تلميذة القائد أوجلان”.

أبت الشهيدة القبول بحياة بلا معنى في وطن وأرض قابعة تحت نير الاستعمار والعبودية، يعاني شعبها الظلم والاضطهاد، أثبتت زيلان من خلال مقاومتها وتضحيتها بأن المرأة الكردية إذا ما وضعت هدفاً نصب عينها، ستحققه بكل تأكيد بإرادتها وعزيمتها.

من هي زيلان؟

اسمها الحقيقي زينب كناجي، من مواليد 1972 في قرية ألمالي التابعة لمدينة ملاطيا في باكور كردستان، خريجة جامعة إينونو قسم “علم النفس” ومتزوجة، كانت تعمل في قسم التصوير والأشعة في المشفى الوطني في المدينة قبل انضمامها إلى حركة التحرر الكردستانية (حزب العمال الكردستاني PKK).

تعرفت على حركة التحرر الكردستانية في الجامعة، إلا أنها اكتسبت اهتمامها وميولها الوطنية الكردية من خصوصيات عائلتها الوطنية، وفي عام 1994م بدأت تشارك في فعاليات الجبهة في مدينة أضنة، وبقيت ضمنها لمدة عام.

وفي سنة 1995 اختارت طريق الحقيقة والحرية والتحقت بصفوف الكريلا في ديرسم بباكور كردستان، وأطلقت على نفسها اسم زيلان الذي يعني في اللغة الكردية (زيل ان) أي (الانبعاث) بما يقابلها في اللغة العربية.

واختارت اسم زيلان نسبة إلى وادي زيلان (كَلي زيلان) الذي ارتكبت فيه السلطات التركية مجزرة بحق المدنيين الكرد من الرجال والنساء والأطفال، في تموز عام 1930، راح ضحيتها أكثر من 17000 مدنياً، بحسب ما نشرت جريدة جمهوريت التركية آنذاك.

ولمواجهة حقيقة شعبٍ ووطنٍ مفقود، بذلت جهداً مضنياً في خدمة القضية الكردية والكردستانية لتحقيق الحياة الحرة بمعناها الحقيقي.

وقالت عن انضمامها في رسالة قبل استشهادها “خلال هذه المدة التي بقيت فيها ضمن صفوف الكريلا تمكنتُ من التعرف على شخصيتي من كل الجوانب وتطورت شخصيتي قياساً بالمراحل السابقة؛ أستطيع القول بأنني استمدت القوة في مسألة المعنويات والقرار والإرادة والحسم في كثير من القضايا آنذاك”.

‘العملية الفدائية’

زيلان أكدت أن الذين يعشقون الحياة هم القادرون على صنعها ومنحها، والقيام بالفعاليات العظيمة، ذلك إبان عمليتها الفدائية التي كانت الأولى في تاريخ حركة التحرر الكردستانية.

وبثت المعنويات والقوة في صفوف شعبها والرعب في صفوف الدولة التركية بعد تنفيذ عمليتها الجريئة في الـ 30 حزيران 1996 في مركز للجيش التركي أثناء مراسم رفع العلم بمدينة ديرسم بباكور كردستان.

وجاءت العملية رداً على محاولة الاغتيال التي نفذتها الاستخبارات التركية بحق القائد عبدالله أوجلان في العاصمة السورية دمشق.

إذ نفذتها وهي محملة بـ 8 كيلو غرام من المواد المتفجرة “TNT”، وقطع من الحديد وقنبلتين يدويتين، حيث تظاهرت أنها حامل حتى تستطيع تنفيذ العملية التي قُتِل فيها 18 عنصراً من الجيش التركي وجرح 21 آخرون.

قبل تنفيذ العملية أرسلت المناضلة زيلان رسالة إلى القائد أوجلان، أعربت فيها قائلة: “بدوري أريد أن أعبّر عن حرية شعبي وأنفذ عملية ضد السياسة الإمبريالية التي تستعبد المرأة، لأعبّر عن غضبي الكبير ضدها، وأصبح رمزاً لمقاومة المرأة الكردية”.

“زيلان.. المانفيستو”

استيعاب الشهيدة زيلان لفكر القائد عبدالله أوجلان وإدراكها مدى حساسية المرحلة التي كانت تمر بها حركة التحرر الكردستانية، جعلها تفدي بأغلى ما تملكها، زيلان بعد شهادتها تركت تاريخاً مليئاً بالنضال والمقاومة.

ووصف القائد عبدالله أوجلان تضحية الشهيدة زيلان بـ “المانيفستو” وقال عنها: “الرفيقة زيلان قائدة، وأنا مقاتل لها، وتعتبر ملكة شهداء حركة التحرر الكردستانية لأنها بينت مدى معرفتها بالوطنية وعمقها في نهج الاشتراكية والحرية”.

‘الآلاف من زيلان’

استشهاد المناضلة زيلان وتضحيتها كانت بمثابة مرحلة جديدة في حركة التحرر، حيث بشهادتها انضم الآلاف من أبناء الكرد إلى صفوف الحركة، وبشكل خاص من النساء.

وسارت على درب زيلان العديد من النساء أمثال “سما يوجه، كولان، فاتوش ساغلاموز، روجبين عرب، روناهي، ألفتريا، أرين ميركان، جين روجهلات، زنار، دوغا، تكوشين فارقين، وأفيستا خابور”.

اتخذ الشعب الكردي من الشهيدة زيلان نبراساً في الوصول إلى حريته، وانتفضوا في أنحاء العالم ضد السياسات القمعية التي تعرض لها الكرد على مدى التاريخ، واتضحت نتيجة تلك المقاومة اليوم، حيث أسس الكرد مؤسسات وإدارات خاصة بهم وخلقوا حياة كريمة لهم ولكافة شعوب المنطقة.

وتيمناً بزيلان أطلقت الآلاف من الأمهات الكرديات في أجزاء كردستان الأربعة اسمها على أطفالهن، فيما أصدر العديد من الفنانين الكرد الأغاني القومية عنها وتغنوا ببطولاتها، ومن أبرزها أغنية الشهيدة دليلا باسم “Zilan”.

ويُصادف الـ 30 حزيران، الذكرى السنوية الخامسة والعشرون لاستشهاد الفدائية زيلان (زينب كناجي).

زر الذهاب إلى الأعلى