مجتمع- ثقافةمقالات وحوارات

مجلة أميركية: نساء الرقة يُعدن بناء مستقبلهن…إنهن نواة التغيير في الشرق الأوسط

بعد أربع سنوات من تحرير الرقة من مرتزقة داعش، تلعب النساء دورًا رائدًا في إعادة بناء المدينة، ويُظهر نشاطهن أن النسوية الاشتراكية لا تتعلق فقط بالمساواة بين الجنسين في الوظائف العليا، إنها تدور حول مقدرتهن على إدارة حياتهن.

ويقول تقرير لمجلة jacobinmag”” الأميركية: “لم يكن يعتقد أي شخص يعيش في شمال شرق سوريا أن الرقة ستبدأ في إعادة توطين نفسها بهذه السرعة”.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، دخلت قوات سوريا الديمقراطية إلى المدينة وأعلنت خلوها من داعش، ومع ذلك، فقد جاء تحرير الرقة بتكلفة باهظة. إذ تعرض 80 % من المباني للدمار، وترك داعش آلاف الألغام المفخخة وراءه.

هناك مشاهد للحرب في كل مكان تقريبًا في المدينة، ويفضل الكثير من السكان عدم الحديث عن ما كان عليهم تحمّله أثناء احتلال داعش، لكن وسط الدمار والألم، بدأ أمل جديد يتفتح في الرقة.

ثاني أكبر مدينة في هذه الزاوية من البلاد تتمتع الآن بالحكم الذاتي، كجزء من الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. والتغيير الرئيس – بصرف النظر عن استعادة الحريات الديمقراطية الأساسية – هو الدور الذي تلعبه المرأة الآن في السياسة.

“تزهر في الصحراء” هو فيلم وثائقي قصير يروي قصص النساء العربيات اللواتي يقمن بأدوار جديدة في المجتمع، ويدفعن بالحدود التقليدية لما كان مسموحًا به للمرأة في المجتمع، ويبنين مستقبلًا جديدًا لمدينتهن.

تقول مريم إبراهيم البالغة من العمر ستة وخمسين عامًا، وهي واحدة من ثلاث نساء شاركن في الفيلم الوثائقي: “لم أتخيل قط المشاركة في إدارة للنساء، أو العمل في منصب إداري أو سياسي، أو في أي مجال آخر، بخلاف ربة منزل، ولكي أكون صريحة، هذا مثل الحلم الذي لم أكن أتخيله قط”.

‘أن تكون امرأة في الرقة’

عاشت مريم تحت حكم داعش في الرقة، وهو الوقت الذي تتذكره بأنه أحلك سنوات حياتها، تقول عن ذلك: “كانت النساء في الرقة يعانين بالفعل من العبودية المنزلية، والتقاليد البالية، والثقافة الأبوية، لكن عندما استولى داعش على المدينة، حُرمن حتى من حقوقهن الإنسانية الأساسية”. في الواقع، حتى قبل داعش، كان نظام البعث يستبعد النساء عن الحياة العامة. ومع حكم داعش، ساء الوضع القمعي لدرجة أن النساء لم يكن بإمكانهن مغادرة منازلهن إلا إذا ارتدين النقاب، وغطين وجوههن وأعينهن وأيديهن بالكامل.

جاء الحدث الأكثر صدمة لها بعد غزو داعش لشنكال والإبادة الجماعية للسكان الإيزيديين عام 2014، حيث مريم قد قررت خرق القواعد ومغادرة منزلها للذهاب إلى ضفاف نهر الفرات في نزهة مع أطفالها، وبفعلها ذلك، خاطرت بالجلد. عندما رأت سيارة تابعة لداعش تقف عند نقطة تفتيش الجسر أعلى النهر، قفزت امرأة فجأة وركضت إلى السور قبل أن ترمي بنفسها في الماء. صُدمت مريم، واضطرت إلى إسكات أطفالها الذين كانوا يصرخون حتى لا يتم القبض عليهم، بينما تم القبض على امرأة أخرى في السيارة من قبل داعش قبل أن تنتحر أيضًا. اكتشفت مريم لاحقًا أن المرأتين كانتا اثنتين من آلاف النساء الإيزيديات اللواتي اختطفهن داعش وباعهن في سوق العبودية الجنسية بالرقة.

وفي ظل النظام القاتل الذي يسمى داعش، لم يكن أمام مريم خيار سوى مغادرة الرقة صيف 2017. وفرّت إلى ناحية عين عيسى القريبة، حيث انضمت إلى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. التي يديرها من القاعدة إلى القمة حاليًّا ما يقرب من ثلث سوريا، بعد أن تم إنشاؤها لأول مرة في منطقة “روج آفا” عام 2012 نتيجة لنضالات الحركة الكردية. ونظامها يتألف من الكونفدرالية الديمقراطية ولا يقوم على الدولة القومية ولكن على الاستقلال الذاتي والتعاون بين المجتمعات، والدفاع عن التنوع الديني، والإيكولوجية الاجتماعية، وحرية المرأة.

جعلت مريم نشاطها في الحركة، وعندما حررت قوات سوريا الديمقراطية مدينتها، عادت إلى الرقة لمواصلة النضال. وشرعت في تنظيم النساء محليًّا وبعد ذلك، مع ولادة الحركة النسائية في الرقة، امتدت هذه الجهود إلى المناطق المجاورة.

بالإضافة إلى الإدارة النسائية، هناك هياكل جديدة أخرى داخل بلدية الرقة تضمن تواجدًا متساويًا للنساء والرجال، وفي الوقت نفسه تحدث تغييرًا اجتماعيًّا أوسع، وتنفذ بلدية المدينة العديد من المشاريع الاجتماعية مثل برنامج دعم المجتمع القائم على دعم الأسر الفقيرة.

عواطف العيسى، المسؤولة عن عمل المرأة في بلدية الرقة، تخبرنا أن الهدف هو “القضاء على العلل الاجتماعية التي تظهر بسبب الفقر”. مثل مريم، كان على عواطف أن تهرب من مدينتها، تاركة كل ما لديها وراءها، عندما سيطر داعش على الرقة.

كان لرؤية النساء وهن يقمن بأدوار مهمةٍ تأثير ثوري على عقلية المجتمع، حيث وصلت أصداء النسوية من المدينة إلى الريف.

ومع ذلك، فإن حرية المرأة لا تتعلق فقط بتولي المناصب العليا: إنها تتعلق باستخدام تلك القوة لتنظيم أشخاص آخرين. تقول مريم: “منذ التحرير، نظمنا أنفسنا أولًا، لكننا اليوم ننظم نساء أخريات في مدينة وريف الرقة”. هذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه من نساء الرقة. إنهن يوضحن لنا كيف يمكن تحقيق المساواة للمرأة وحقوق المرأة حتى في ظل أكثر الظروف قمعًا، ولكن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي من خلال التنظيم جنبًا إلى جنب مع النساء الأخريات.

‘خلف أزهار الصحراء

طوال الفيلم الوثائقي، نتابع النساء في مهامهن اليومية. نراهم يتواصلن مع شخصيات مؤسسية، ينتقلن من باب إلى باب، ينشرن الوعي بعملهن، بينما يقدمن المساعدة ويتواصلن مع أشخاص مختلفين من جميع طبقات المجتمع.

شكّل إنتاج الفيلم الوثائقي في الرقة تحديًا كبيرًا لطاقم الفيلم، لأسباب أمنية بالأساس. حيث لا يزال داعش نشطًا في المنطقة، مع وجود العديد من الخلايا النائمة والهجمات الانتحارية، وعادة ما يكون الأجانب هدفًا، وهذا يعني أنه عند التصوير في الهواء الطلق، لا يمكن للفريق أبدًا قضاء أكثر من ثلاثين دقيقة في المكان نفسه. وقد وفرت الحركة النسائية الأمن، بينما ساعدتها الإدارة الذاتية في الأمور اللوجستية.

غالبًا ما يتم الإشادة بالإدارة الذاتية وروج آفا – عن حق – كمثال فريد للمجتمع الذي يحكم نفسه بنفسه وبثورة المرأة، ومع ذلك، من المهم عدم إضفاء الطابع الرومانسي عليها، كما تفعل الكثير من وسائل الإعلام الغربية، ويدرك الأشخاص المعنيون أكثر من أي شخص آخر مدى صعوبة التغلب – حتى بعد التحرر من داعش – على التسلسل الهرمي للسلطة في هيكلة كل من النظام السياسي والمجتمع.

يكشف هذا الفيلم الوثائقي عن جانب آخر من ثورة روج آفا، ويُظهر النضالات اليومية الصامتة لنساء الرقة، اللواتي لم يعتقدن قط أنهن يمكن أن يشاركن في الساحة العامة ولكنهن يأخذن الآن مكانًا لأنفسهن، ويشكلن مستقبل مدينتهن.

دائمًا ما تكون المؤسسات التي شاركت في الفيلم منفتحة حول المشكلات التي واجهتها داخليًّا والقضايا الاجتماعية داخل المدينة والمنطقة. إنها تعرف أن تغيير النظام وعقلية الناس يتطلب وقتًا وجهدًا وعملاً شاقًّا وخبرة، ولا يبدو أنها على استعداد للاستسلام.

كان من الممكن أن تكون الإنجازات السياسية في الرقة مستحيلة لولا مساعي حركة حرية المرأة الكردية المتجذرة في روج آفا. مع تطويرها لـ “علم المرأة” الذي يتجاوز النسوية الليبرالية، فإنها تحقق طموح تحرير المرأة المتأصل في الكونفدرالية الديمقراطية التي اقترحها القائد عبد الله أوجلان.

إلى جانب النظام المشترك – الذي يوفر تمثيلًا متساويًا في السياسة والوحدات العسكرية للدفاع ونظام التعاون الاقتصادي – أظهرت هذه الثورة أنه من الممكن تطوير أشكال جديدة من التنشئة الاجتماعية وتنظيم الناس. وتتردد أصداء هذه الأشكال التنظيمية عبر الأجزاء المجاورة من الشرق الأوسط، مما يؤدي إلى إحداث تغيير اجتماعي حقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
إغلاق
إغلاق