مقالات وحوارات

اليوم العالمي لمنع الانتحار

اليوم العالمي لمنع الانتحار

حنان رشكو

حددت منظمات الأمم المتحدة يوم 10 سبتمبر من كل عام، اعتبارا من عام 2003 يوما عالميا لمنع الانتحار، نذكر منها الرابطة الدولية لمنع الانتحار مع منظمة الصحة العالمية والاتحاد العالمي للصحة العقلية، وذلك تأكيدا منها على أهمية منع الانتحار كظاهرة سلبية تجتاح المجتمعات وتؤدي إلى مزيد من العنف وتعطي دروسا سلبية لفهم الحياة أو حتى طريقة سيئة لإنهاء حياة أي إنسان. لذلك اتخذت هذه المنظمات عددا من الإجراءات التي من شأنها تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال تنظيم نشاطات متعددة وتقديم دراسات وأبحاث تنشرها على مستوى العالم، وتعزيز قدرات الدول على تطوير وتقييم السياسات والخطط الوطنية لمنع الانتحار، كتعريف ظاهرة الانتحار وتوضيح أسبابه والوقوف على التحديات التي تواجه المجتمع في سبيل وضع الحلول للتقليل من هذه الظاهرة.

الانتحار أسبابه وحلوله

الانتحار: هو تعمّد شخص ما القيام بعمل يؤذي نفسه بنفسه ويودي به إلى التهلكة، وهو كظاهرة اجتماعية تحولت الى ظاهرة إجرامية، وهو سلوك إنساني يحدث في المجتمع اضطرابا بسبب خرقه لقواعد الضبط الاجتماعي، والأسباب قد تكون فردية أو مجتمعية وفي كلتا الحالتين تحدث اضطرابا في العلاقات الاجتماعية.

وتتنوّع طرق الانتحار ما بين التسمّم، أو الشنق أو بالأسلحة النّاريّة، أو بالقفز من المرتفعات، وغيرها الكثير، فتبوء بعض المحاولات بالفشل ومنها ما يؤدّي إلى الموت مباشرةً، ويلجأ الأشخاص إلى هذه الوسيلة المحرّمة شرعاً للتخلص من كدر الحياة إثر اضطرابات نفسيّة أو إدمان أو تعاطي للمخدّرات، أو نظراً لظروف ماديّة أو علاقات شخصيّة، وقد شهدت المنطقة في الأيام الماضية تسجيلاً كبيراً لعدد من حالات الانتحار ومحاولاته.

يرى عالم النفس (سيكموند فرويد ) بأن الانتحار ردة فعل داخلية لفشل التعبير عن الذات خارجيا، الأمر الذي يرتد على الذات فيدمرها. في حين يراه عالم الاجتماع (دور كايم) ظاهرة اجتماعية وانطلاقا من أطروحته الشهيرة “الاجتماعي يفسر بما هو اجتماعي” فلا يمكن تفسيرها عمليّا وعلميا إلا بالبحث عما هو اجتماعي فيها.

 

أسباب الانتحار:

 

1 – الاضطرابات النّفسيّة: قد يعاني الفرد من أمراض نفسيّة تؤدّي به إلى الانتحار؛ كالهوس، والانفصام، والاضطراب الاكتئابي الحادّ، فدخول المريض حالة من الهستيريا يؤدّي به إلى اضطرابات المزاج، وبالتّالي الغضب الشّديد، ونهايةً بالانتحار، كما أنّ الصّدمات قد تؤدّي بالأشخاص إلى مثل هذا العمل المشين.

 

2 – إدمان المخدّرات وتعاطيها: تعتبر المخدّرات من مذهبات العقل التي تؤدّي بالإنسان إلى فعل كلّ ما لا يتقبّله العقل البشريّ السّليم، فمن الممكن لمدمن المخدّرات أن يمارس سلوكيات سيئة مخالفة للمجتمع وللعادات والتقاليد، ويُقدم على أفعال مشينة وهو غير مدرك لها تحت تأثير المخدّر، كالقتل والاغتصاب والانتحار.

 

3 – لعب القمار: وهي وسيلة للتّسلية باتّباع أسلوب الرّهان أي مقابل مبلغ من المال أو أيّ شرط يتوّجب تنفيذه من قبل الخاسر في الّلعبة، وتضع هذه الّلعبة لاعبيها تحت شروط صعبة التّنفيذ وبالتّالي من الممكن أن تؤدّي بهم إلى الانتحار، وقد حرّمها الإسلام حرمةً قطعيّةً.

 

4 – حالات طبيّة مرضيّة: أكّد أطبّاء على وجود ارتباط وثيق بين المشاكل الصحيّة والانتحار، ومن بينها إصابات الدّماغ المرضيّة، والسّرطان، والفشل الكلويّ، والإيدز، وغيرها من الامراض، كما أنّ الانتحار قد يكون نتيجةً للآثار الجانبيّة لبعض الأدوية، كما يلعب الأرق وانقطاع النّفس النّوميّ دوراً في إصابة الفرد بالاكتئاب الذي قد يوصله إلى الانتحار.

 

5 – الحالات النّفسيّة: تصيب بعض الأفراد حالات نفسيّة مزمنة تفقدهم الرّغبة في الحياة والمتعة بها، وتُشعرهم بالقلق الدّائم، وما يزيد من حدّة المشكلة هو القدرة المحدودة على السّيطرة على هذا المسبّب، ومن أبرز الأسباب التي تشكّل حالةً نفسيّةً للشّخص الاعتداء الجنسيّ، والتّحرّش الجنسيّ، والتّفكّك الأسريّ.

 

6 – وسائل الإعلام: تنقل وسائل الإعلام المقروء والمرئيّ أخباراً حول حالات الانتحار والطّرق المتّبعة، وذلك ما ينمّي لدى الأفراد الرّغبة بتطبيق الأسلوب ذاته، فيذكّر الإعلام الفرد بهذه الوسيلة، الأمر الذي يعدّ خطراً بالغاً على حياة الفرد، وهذا ما يعرف بعدوى الانتحار.

 

7 – القناعة الأكيدة لدى الفرد بأنّ التّخلّص من تبعات الحياة وكدرها يعّدّ سبباً مقنعاً للإقدام على الانتحار، وفي هذه الحالة إذا لم يتمّ استئصال الفكرة من جذورها لدى الفرد فلن تنجح أيّ وسيلة أخرى بردعه عن هذه الخطوة.

8 – الألعاب الإلكترونية التي تدفع المراهق على الانتحار، فقد كشفت الدراسات التي قُدمت على أن للألعاب الإلكترونية دور في دفع المراهق على الانتحار كنوع من التحدي الذي على اللاعب المراهق تنفيذه، لذلك كثرت حالات الانتحار بين الشباب ونذكر عددا من الألعاب التي كانت شببا في ذلك، كلعبة مريم، الحوت الأزرق.

 

الحدّ من ظاهرة الانتحار:

 

يجب على الجهات المسؤولة عن الأفراد من حكومات وأُسر اتّخاذ أشدّ الإجراءات الوقائيّة للحدّ من ظاهرة الانتحار والتّقليل منها بدلاً من ترسيخها، وتقع مسؤوليّة القضاء على هذه الظّاهرة على عاتق المجتمع بأكمله وليس على فرد بعينه أو جهة معيّنة، فبمعالجة الأسباب المؤدّية للانتحار تتلاشى هذه الظّاهرة المحرّمة، ومن أهمّ هذه الطّرق:

1 – التربية والتنشئة السليمة: تعتبر الأسرة الّلبنة الأساسيّة في المجتمع، فهي المسؤولة عن المرحلة الأولى التي يبدأ الفرد فيها باكتساب عاداته، وتكوين ذاته، وبناء أفكاره ومعتقداته، فإذا نشأ ببيئة صالحة كان فرداً صالحاً، أمّا إذا كانت البيئة سيّئة فإنّ ذلك ينعكس عليه وعلى مجتمعه مستقبلاً.

2 – الوازع الدّينيّ: يعدّ الوازع الدّينيّ والخوف من الله تعالى والحرص على مرضاته سبباً قويّاً لردع المسلم عن الانتحار، وعن كلّ ما هو محرّم، فالمؤمن لا يفقد الثّقة بالله، وبحكمته.

3 – تعزيز روح التّفاؤل لدى الفرد.

4- الحدّ من العنف الأسريّ والمشاكل الزّوجيّة: فالمشاكل الأسريّة تؤثّر بالدّرجة الأولى على نفسيّة الطّفل أو الأبناء بشكل عام ممّا يؤدي إلى لجوئهم إلى ما يخلّصهم من هذه الضّغوطات النّفسيّة.

5 – الرّعاية الاجتماعيّة: إذ يعتبر الفرق بين الطّبقات الاجتماعية عاملاً مسبّباً للانتحار، والرّعاية الاجتماعية تساعد على الحدّ من هذه الظّاهرة.

6 – التّوظيف والقضاء على البطالة: إنّ العمل على توفير فرص عمل ووظائف للعاطلين عنه يؤدّي إلى التّقليل من ظاهرة الانتحار، لأن العمل يملأ أوقات الفراغ، ولا يكون هناك أيّ مجال أمام الشّباب للتّفكير بطريقة سلبيّة والإقدام على الانتحار، فبالعمل يشعر الإنسان بأنّه كائن منتج، فيشعر بالإنجاز، ويعرف أنّ وجوده في الحياة ذو قيمة.

7 – تقييد فرص الحصول على الوسائل المسهّلة للانتحار كالأسلحة النّاريّة، والسّموم، وغيرها.

 

الموقف القانوني من ظاهرة الانتحار

 

يتمثل بتحقيق الردع وفرض العقاب على المحرض أو المساعد على القيام بفعل الانتحار. وقد وضع النص العقابي بما يتلاءم وخطورة التحريض والمساعدة كسلوك مجرم أدّى إلى قيام الشخص بإزهاق روحه عمدا.

كما هو حال معظم القوانين العقابية في العالم لم يعاقب المشرع القانوني على الانتحار ولا على الشروع فيه، بل عاقب على فعل الاسهام في الانتحار، فجرّم من يحرّض أو يساعد على الانتحار.

 

حول حالات الانتحار في روج آفا

 

ارتفعت معدلات الانتحار في سوريا عموما وفي روج آفا شمال سوريا خصوصا في الآونة الأخيرة لأسباب عدة، مقارنة مع السنوات العشر السابقة، فقد لوحظ انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير، بعد انتشار حالات اليأس من الحياة إضافة إلى أسباب أخرى كالإدمان على المخدرات أو الألعاب الإلكترونية أو مشاكل مالية أو عائلية، والنكبات النفسية التي تلاحق الفرد لتحصره في زاوية المواجهة مع مآسي الحياة وحيدا، وباتت الحاجة إلى دراسة علمية لهذه الظاهرة، والمطالبة بتكاتف الجهود لردع هذه الظاهرة وبث التفاؤل في النفوس المتعبة، فقد أكدت الدراسات الأولية أن حالات الانتحار تمتد ما بين عمر 15 إلى 34، ونورد هنا أمثلة على عدد من حالات الانتحار في روج آفا:

انتحار المدرس ابن حي قناة السويس بمدينة قامشلو لأسباب غامضة في 1/5/2017.

انتحار المدعو ي ن من قرية تابعة لريف قامشلو، بحرق نفسه داخل منزله بمادة البنزين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق