سياسة

(الحرب الخاصة)

كما يعرف بأن الحرب الخاصة هي اداة و وسيلة يمارس على المجتمع بهدف التحكم و الظلم والاستعباد ، كما هي اداة تستعمل لمواجهة كافة أشكال المقاومة ونضال الشعوب ، لإرضاخ  الفرد والمجتمع  واستسلامه  وتركه مسلوب الإرادة، وأهدافها  تغير كل من الأخلاق والفكر و إيديولوجية المجتمعات  .

الحرب الخاصة تعرف بعدة مسميات مثلا (الحرب النفسية ، الحرب الباردة، الحرب الناعمة ، غسيل الدماغ …وما إلى ذلك ) ، لماذا  تسمى بهذه المسميات  ، وذلك لأنه  عندما يذكر   كلمة الحرب يتبادر إلى  إدهاننا  الدماء ، العنف ,الشدة والقتل ، إلا أنه على عكس هذه الحرب الخاصة تستخدم  كافة الأساليب دون استخدام العنف والشدة الجسدية . وهذا تماما ما يجعل المرء يقع في مصيدة وشباك  الفخ ، لأن الفرد لا يدرك ولا يفرق تماما إنه الهدف ويتم الحرب الخاصة عليه ،لا يعلم من وكيف يتلقى الضربة الموجهة إليه، لذا في كثير من  الأحيان  ومن دون وعي منه و دون سابق معرفة يصبح المرء بذاته وسيلة واداة  لخدمة الأعداء وتحقيق أهدافهم.

إن ذكر تاريخ استخدام هذه الطريقة الممنهجة  في الحروب ، لا يمكننا القول  بأنه يعود لتاريخ الحديث ، لأن السياسة الممنهجة التي استهدفت  عقل الإنسان  و استعبادها والاستحكام بها لها جذور تاريخية قديمة وعميقة . إلا أنه يمكننا القول إن هذه الحرب تغيير طرائقها وأساليبها وذلك بحسب الظروف و خصوصيات كل مرحلة .مثال الحرب التي استهدفت  إلى استحكام العقول و إلى استسلام المجتمعات  يمكننا القول في مرحلة تشكيل الدول القوموية تم استعمال  هكذا وسائل  لوضع المجتمع  تحت تبعية وخدمة الفئة الحاكمة و السلطوية، إلا أنه لتقوية استبدادهم  وتوسيع نفوذهم و جغرافيتهم  والاستيلاء  على خيرات و منتجات الدول الاخرى فأنها كانت تقوم بالحملات  العسكرية والقتالية , وطبعا كانت ادواتها الأسلحة الخفيفة  والأسلحة الثقيلة . هذه الحروب التي أودت بأرواح ملايين من البشر  الذين وقعوا ضحايا . حيث أن هذه  الحروب التي كانت تقوم لحماية مصالح الطبقة الحاكمة ذات سلطة . إلا أن في هذه الحروب كانت توجد دوما مقابل ذلك حماية ودفاع المشروع من قبل الشعوب والمجتمعات. كانت المقاومة والكفاح والنضال تواجه كافة أشكال العبودية والظلم و الاحتلال .

إلا أنه بعد الحرب العالمية الأولى والثانية  حيث قدمت حينها البشرية ملايين الضحايا ، كما الدول المهيمنة العظمى والرأسمالية وجدوا  إن بهذه الأدوات القمعية والمستبدة لا يمكنهم  كسر إرادة الشعوب ، ولن يمكنهم ذلك من إطالة عمرهم وكذلك فرض هيمنتهم و تحقيق أهدافهم و حماية مصالحهم . لذا لجأوا إلى استخدام طرق وابتكار وسائل حديثة ، وذلك من خلال كل ما يستعمله الإنسان ليسيطروا عليه  ويضعوه تحت حاكميتهم  من العلم ، التكنيك، الرياضة ، الصحة والجنس وما إلى ذلك .

كل ذلك لاستهداف عقل الفرد واستعبادهم عن أهدافهم الأولوية والأهمية و غاياتهم المنشودة ، وإشغالهم بأمور سطحية و غير مهمة وبلا معنى .لكي لا يصبح الفرد صالح وصاحب إنتاج سواء على الصعيد المعنوي أو المادي في المجتمع ، ويفرغه من جوهره ، ليضطر دوما إن يكون تابعا لغيره ويحتاج لمن يديره ، لذا تسعى الدول الرأسمالية جاهدا إلا  تتطور وتتقدم أوطاننا  و الإحالة دون إمكان المنطقة لإدارة نفسها بنفسها . لأنه إن تمكن هذه الأوطان من إدارة ذاتها و أصبحت تعيش في أمنا وسلام ، فكيف بذلك ستتمكن تلك الدول بخلق الحجج لمداخلة المنطقة ، و من أجل ذلك تعمل تلك الدول ذات الهيمنة العظمى دوما في خلق الحروب الداخلية في هذه المناطق  ، وخلق النعرات والنزاعات العرقية والدينية والطائفية والقومية والعنصرية والجنسية ،وذلك لضرب مكونات المنطقة بعضهم ببعض . وهذه  من طرق الحرب الخاصة حيث لا تتدخل بشكل مباشر  ، إلا أن على مبدأ (فرق تسد) تقوم بخلخلة المجتمع  و تفرقة وتجزئة المجتمعات وإضعافهم وضربهم ببعض و تشتيت شملهم،  حتى يمكنها بذلك وبكل سهولة و أريحية دخول المنطقة و تتدعي إنها الخلاص الوحيد لكافة أشكال الحرب القائمة و هي ملجأ الآمن لسكان المنطقة ، وبهذه الشعارات يصدق السكان تلك الادعاءات ويستنجدون بالخلاص وهم مسرورين بقدوم منقذهم ومخلصهم من تلك العذابات ،حتى لا يرونهم كوجه من وجوه الاحتلال، لذا يتم تسميها الحرب الناعمة.

وهذا ما وجدناه في الحرب الدائرة في سوريا والتي طالت إلى عامها العاشر ، حيث بداية الحرب كانت تسير بشكل حرب الوكالات ، إلا أنه اليوم وبشكلٍ مكشوف يبين لنا مداخلة الدول على أرض الواقع ومن لهم يد في إطالة عمر الآزمة والحرب في سوريا .

هل من المعقول لا يوجد حل للخروج سوريا من ازمتها ، حيث نرى بكل وضوح كيف تعقد الاجتماعات من قبل الدول ذات مصالح لها في سوريا ،حيث تعقد جلسات لإيجاد حلول للازمة السورية ، دون مشاركة السوريين أنفسهم  على ذلك دائرة التفاوض والحل  ودون النظر إلى رؤاهم واتخاذ إرادتهم أساسا لهم .

كما إن مشروع حل الآزمة السورية موجود ومطبق على أرض الواقع ، مشروع الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية . إلا أنه بالرغم من ذلك إن هذا المشروع لا يتم الاعتراف السياسي بها ، لأنه لا يصب لمصلحة تلك الدول . لأن تطبيق هذا المشروع يزيل كافة أشكال العنصرية ويزيل التناقضات والنزاعات من المجتمع ويقوي من تعاضدهم وتماسكهم . و هذا ينافي تطلعات الدول المهيمنة السلطوية والرأسمالية ولا يحقق لهم مصالحهم .

لذا بكافة الوسائل تسعى لخلق تناقضات وخلافات داخلية ، من خلال القنص و الاستهداف بقتل شخصيات معروفة ولها تأثير في المجتمع  وذلك من قبل مجهولين  ، لذرع الشكوك و عدم الوضوح داخل المجتمع  ، و ليتم  توجيه أصابع الاتهام لبعض الجهات و يشتد الخلاف و يشتت التنظيم و يضرب بعضهم ببعض .

حتى رأينا في مسألة توحيد الصف الكردي حيث لجأ عدة جهات والدول  لاستعمال هذا الاتفاق كورقة للخلاف ما بين  مكونات المنطقة. حيث عقدوا عدة اجتماعات للعشائر والقبائل العربية لخلق فتنة بين المكونات و ليمكنهم من إقامة قواعد لهم في المنطقة . لأنه كلما فرقت الجمع و أضعفت قوتهم ،يمكنك بذلك الاستيلاء عليهم .

لو لم يكن أفراد مجتمعنا يتحلون بالفكر القوي  والإيديولوجية العميقة ، لتأثروا بكل سهولة وأصبحوا أدواتٍ لهذه الحروب . الحرب التي لا تواجه العدو ،إلا أنك تجد نفسك في مواجهة الحرب الداخلية .  إن لم يكونوا مكونات المنطقة و أعضاء ضمن مشروع الأمة الديمقراطية مؤمنين بهذه المشروع لكانوا أدوات لتحقيق مآرب الأعداء .

يقول القائد آبو : في حياتي أعطيت وقتي كله وانشغلت لبناء كوادر تتحلى بشخصية معمقة إيديولوجياً وحرة ، أكثر من انشغالي بالعدو نفسه ، لأن الشخصية بذلك صفات لا يقهره الأعداء.

الشخصيات التي قاومت في السجون ،كانت مقاومتهم إيديولوجية ، حتى أصبحوا رموزا مقدسة في مسيرة النضال والحرية ، بالرغم أن الأعداء مارسوا عليهم كافة أشكال الحرب الخاصة عليهم  جسديا ونفسيا ومعنويا . إلا أن معرفة الذات ومعرفة العدو ،من أهم  وسائل الحماية  من كافة أشكال الإبادة والانحلال والانصهار والتصفية والاستعباد والاحتلال والاستحكام على الروح والجسد والعقل .

في الحقيقة في حربنا الدائرة واجهنا العديد من أشكال الاحتلال ، كما هو معلوم إن حرب داعش كانت حرب عسكرية ، إلا أنه كانت تحتوي من ضمنها العديد من أساليب الحرب الخاصة ، مثلا استخدامها حرباً بأسم  الدين ليتم الانضمامات إلى صفوفها بشكلٍ أوسع  ، و تحتد الحرب الدينية الطائفية بين أبناء المنطقة ، كما أساليب القتل التي تعتمد إتباعها بأسم الدين ادت إلى تشويه صورة الإسلام  الحقيقي وإبعاده عن جوهره . و أن أساليب الذبح والحرق والمجازر  و الجرائم  والانتهاكات بحق النساء من الخطف و البيع والاغتصابات التي كانت تنفذها ونشرها بشكل فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي والأعلام . كانت الأهداف منها ذرع الخوف والذعر   ليسيطر على قلوب وعقول الناس  ، ومع اعلان داعش لبدء بحملة للاستيلاء على منطقة  ، ليتم إفراغها والهرب من بطش داعش دون إي مقاومة أو مواجهة .  ولأن شعبنا كان منظما استطاعوا مواجهة هذه التحديات و التغلب عليها ، لذا نرى إن ممارسات التي تمارسها الدولة الفاشية التركية في احتلالها المنطقة هي نفس ممارسات داعش. حيث تستهدف النساء بأساليب وحشية  بعيدة كل البعد عن الأخلاق وعن الإنسانية ، وبالأخص النساء اللواتي هن منظمات وذو تأثير ضمن المجتمع . كل هذه القمع والممارسات الوحشية لزرع الخوف لدى النساء ، لإبعادها لأنها تلعب دورها الفعال في ريادة وقيادة المجتمع . وخاصة حيث عرفت ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا بثورة المرأة لما لعبته من دور الريادي في بناء المجتمع في جميع المجالات السياسية و الإيكولوجية والمجتمعية و الديمقراطية … لذا حاولوا بهذه الطرق كسر إرادة المرأة وإضعاف عزيمتها وإصرارها على المقاومة و استسلامها  ،وذلك لحماية نظام الذكوري الحاكم المستبد.

ذكرنا عدة أساليب تستخدمها الحرب الخاصة للوصول إلى أهدافها ، إلا أنها لديها عدة طرق غير مباشرة أخرى تستعملها . من المعروف أن المرء على يقظة من عدوه وحذر منه ، وهذا ما استغله الأعداء في إدخال عملائه واستخباراته في مؤسساتنا، بهدف التخريب وزرع الفوضى وبناء  التناقضات الجدية يشغل بها الأفراد و زعزعة الثقة و بذلك تشتيت و تفريقهم .في الفترة الأخيرة عن طريق استخباراتنا تم الكشف عن بعضهم .في هذه المواقف على المجتمع والأفراد توخي الحذر ،لأن العدو لا يغفل ، وعلينا أن نبقى متيقظين وحذرين.

كما أن ثورتنا عرفت بثورة الأخلاقية ، وبهدف بناء شخصية ومجتمع متساوي وعادل وديمقراطي وحر. و هذا لا يتوافق مع الدول السلطوية و النظام البعثي و  إن كان دولة الاحتلال التركي و حلفائها أو الدول المهيمنة . وصل بهم الحد التوغل في وسط المجتمع و بهدف تغيير من أخلاقها . مثال على ذلك ( توزيع حبوب والمخدرات بين الفئة الشباب الذين هم ديناميكية المجتمع ومستقبلها ، و استخدام المرأة كأداة للمتعة  وذلك بفتح بيوت الدعارة في مناطق تحت  الحاكمية احتلال التركي في عفرين ، كما وتستعمل التكنيك ووسائل التواصل الاجتماعي والأعلام لتشهير  بأحزاب ومؤسسات وشخصيات ذات تأثير في المجتمع والذين يعملون تحت ظل مشروع الأمة الديمقراطية ،  .. كما أن فيروس كورونا المستجد مشروع الأنظمة الرأسمالية ، لأجل النهوض و الإيقاع باقتصاد بعض الدول  وتوسيع هيمنة الدول الرأسمالية . فيروس مصطنع إلا أنه عن معرفة لم يتم إيجاد علاج له. لأن لا تزال لم تحقق أهداف تلك الدول المرجوة بعد . فأن هذا الفيروس حرب نفسية تستهدف العقل أكثر من ما تستهدف الجسد ، تجعل من شخص الحامل للفيروس يستسلم و يهبط من معنوياته دون أن يقاوم  ،من كثرة ما يتم الدعاية والإعلان عن خطره  ليسقط بالمريض خوفا ورعبا أكثر من سقوطه جسدا.

في الأخير على كل فرد أن يعمل على حمايته الذاتية عقليا و جسديا ، وأن يتعمق إيديولوجيا وينظم نفسه ، و يمسك مع مجتمعه ويتلاحم معه ، وتقوية اتفاق مع مكونات المنطقة وخاصة من كافة أحداث التي تجري مؤخرا في كل من منطقة ديرالزور والرقة و القيام بالاغتيالات لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة ، كما وعلينا الوثوق بمشروعنا مشروع الأمة الديمقراطية .

 

 

 

روكن أحمد ( عضوة علاقات الدبلوماسية لمؤتمر ستار).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق