دراسات وابحاث

الاستعمار القائم على جسد المرأة والحماية الذاتية – 3

المرأة في الحرب العالمية الثالثة

بحسب العديد من الأوساط فإن ما يجري في يومنا الراهن هو حرب عالمية ثالثة غير معلنة. وقد بدأت هذه الحرب مرة أخرى وبعد مائة عام، على يد الأنظمة والقوى المهيمنة بهدف إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وبدأت هذه الحرب على شكل الحرب الأهلية الدائرة في سوريا.
المعطيات والأرقام التي أشرنا إليها في الأقسام السابقة هي جزء من نتائج حروب النظام الذكوري الأبوي طوال المائة عام المنصرمة. وهذا هو الجانب الظاهر فقط، وما هو متوفر حتى الآن، ولكن من المؤكد أن ما خفي منها أعظم وأكبر. ولطالما كان الكشف عن الحقائق وفضح الجرائم أمراً صعباً. وعدا عن ذلك فإن أعداد النساء اللواتي تم إبعادهن عن أسرهن وديارهن، واللواتي اختطفن، وتم بيعهن إلى بلدان وأوطان أخرى، بقي دائماً مجهولاً وغير معروف. كما لم يتم أبداً محاكمة ومحاسبة القوى المحتلة بسبب الجرائم والوحشية التي ارتكبت بحق النساء.

والسبب في ذلك هو عدم حماية والدفاع عن حقوق المرأة في المحافل الدولية وفي القوانين والاتفاقيات الدولية. وبسبب ضعف المرأة في هذه الناحية، فإن ذلك يجعل من التحقيق وإثبات الجرائم والأحداث المعاشة، أمراً صعباً، وعدم محاكمة الجهات التي ارتكبت تلك الجرائم.

في عام 2002، وعندما تم إنشاء محكمة الحرب الدولية، ولأول مرة في التاريخ، تم اعتبار الجرائم التي ارتكبت بحق النساء في كل من البوسنة ورواندا، جرائم حرب. وفي نفس الوقت تم اعتبار الممارسات التي ارتكبت في البلدين “جرائم إبادة”. إلا أن هذين المثالين، لا زالا يعتبران نموذجين وحدثين استثنائيين، وهذه الجرائم لا تمثل سوى قطرة واحدة من مجمل الجرائم والوحشية التي تعرضت لها النساء عبر التاريخ.

ما هو الوضع الراهن؟

في يومنا الراهن نعيش الحرب العالمية الثالثة التي لم يتم تسميتها. فالدولة الذكورية والأبوية المهيمنة أعلنت الحرب مرة أخرى بعد مائة عام، من أجل إعادة تقسيم الشرق الأوسط، تحت اسم الحرب الأهلية الداخلية في سوريا. وفي نفس الوقت فإن حروب الوكالة التي تتم عبر القوات الشبه عسكرية والتي يتم إرسالها إلى المنطقة، غيّر شكل الصراع في المنطقة. فمنذ اليوم الأول لبدء الحرب في سوريا، عمدت القوى المحتلة إلى تدريب وتمويل أكثر من 30 مجموعة مرتزقة مسلحة، تحت اسم الجيش السوري الحر والجيش الوطني السوري، وعبر هذه المجموعات المسلحة، بدأوا باحتلال جسد المرأة في المناطق التي تم احتلالها.

قوات الدولة السورية وكذلك المجموعات المسلحة المرتزقة ارتكبوا جرائم وحشية بحق النساء ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. وفي الظروف الحالية للحرب لا زال الكشف عن الإحصائية الحقيقة للجرائم والممارسات التي ارتكبت بحق النساء خلال فترة الحرب أمراً صعباً. بتاريخ 15 آذار عام 2011 بدأت الحرب في جنوب سوريا ومن ثم انتشرت في باقي المناطق، ومنذ ذلك الوقت لا تزال جرائم الحرب تتكرر في سوريا سواء من قبل قوات النظام السوري أو من قبل المجموعات المرتزقة. بحسب تقرير للأمم المتحدة الصادر في عام 2018، فإن الآلاف من النساء والفتيات تعرضن للاغتصاب خلال الحرب الداخلية في سوريا منذ بداية الحرب وحتى الآن. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان والذي مقره بريطانيا، فإن أكثر من 353900 شخص قتلوا خلال الحرب في سوريا بينهم 106  ألف مدنياً.

وهذه الإحصائية لا تشمل 56900 شخصاً لا زالوا في عداد المفقودين. وبحسب تقديرات المرصد فإن حوالي 100 الف شخص قضوا حياتهم دون أن يتم تدوين أسمائهم في السجلات. وتشير التقديرات إلى أن نسبة 40 بالمائة من القتلى هم من الأطفال والنساء. وأسفرت الحرب عن نزوح وتشريد ما لا يقل عن 6 ملايين ومائة ألف سوري داخل سوريا. فيما نزح أكثر من 5 ملايين و 600 الف شخص إلى خارج سوريا. ونصف النازحين إلى خارج الأراضي السورية هم من النساء. النساء اللواتي نزحن إلى كل من تركيا ولبنان والأردن، تم بيعهن وإجبارهن على ممارسة الدعارة.

شنكال

الحرب الدائرة على مدى مائة عام في الشرق الأوسط، تستمر الآن على مرتزقة داعش وباقي المجموعات المرتزقة. وفي مواجهة حركة الإبادة الممنهجة، تواصل النساء الكرديات تصعيد المقاومة والنضال المنظم والممنهج أيضاً. داعش بوصفها صنيعة مباشرة للنظام الذكوري الأبوي، والتي تم إنشائها على يد القوى الإمبريالية، أقدمت في شهر حزيران من عام 2014 على احتلال الموصل. وفيما بعد احتلت موطن أقدم الأديان في ميزوبوتاميا، موطن الشعب الإيزيدي شنكال. ومع فرار القوى المحلية من شنكال، تمكنت داعش بتاريخ الثالث من شهر آب 2014 من احتلال شنكال، وتم اجتياح القرى واحدة تلو الأخرى وقتل الرجال، واختطاف النساء والأطفال. وبحسب المعطيات والأرقام التي أوردتها منصة النضال، من أجل النساء المختطفات، فإن أكثر من 7 آلاف امرأة وفتاة تم اختطافهن واحتجازهن قسراً من قبل مرتزقة داعش ولا يزال مصير العديد منهن مجهولاً حتى الآن.

أول من وصل إلى شنكال من أجل تحرير النساء الإيزيديات كانوا قوات وحدات حرية المرأة-ستار، ومقاتلي قوات الدفاع الشعبي. وفيما بعد أسست النساء الإيزيديات قوات الحماية الخاصة بهن، وصعدن المقاومة حتى تمكن من تحرير شنكال من مرتزقة داعش.

روج آفا

خلال الحرب الأهلية في سوريا لم ينحاز الشعب الكردي في روج آفا لا إلى القوى الخارجية، ولا إلى النظام السوري المعادي للديمقراطية، بل خاض ثورته الخاصة، وأسس قوات عسكرية خاصة بالمرأة باسم وحدات حماية المرأة بتاريخ الرابع من شهر نيسان عام 2014. وتصدت وحدات حماية المرأة لجميع هجمات تنظيم مرتزقة جبهة النصرة التي تعتبر امتداداً لتنظيم القاعدة، وتمكنت القوات العسكرية التي كانت وحدات حماية الشعب جزء منها من دحر المرتزقة. مرتزقة داعش التي تأسست على يد الدول الإمبريالية والقوى المهيمنة في المنطقة مثل تركيا، بدأت بعد شنكال بالتوجه نحو مناطق روج آفا. داعش التي تم إطلاق العنان لها في سوريا مع بدء الأزمة، توجهت في شهر تشرين الأول عام 2014 إلى مقاطعة كوباني في روج آفا. وحدات حماية المرأة التي تأسست كقوات للدفاع عن المرأة، لعبت دوراً كبيراً ومهماً في مقاومة كوباني والتصدي لمرتزقة داعش. وعندما تم تحرير كوباني من احتلال مرتزقة داعش، كان علم وحدات حماية المرأة أول علم يرفرف فوق المدينة. وحدات حماية المرأة التي باتت تضم الآلاف من النساء، ساهمت أيضاً في معارك تحرير منبج والطبقة الرقة ودير الزور، وفي كل المعارك التي خاضتها ضد مرتزقة داعش في مناطق شمال وشرق سوريا.

عفرين

بدعم ومؤازرة من الدولة المهيمنة، شنت دولة الاحتلال التركية بتاريخ 20 كانون الثاني عام 2018 هجوماً على مقاطعة عفرين في روج آفا. الجريمة الوحشية التي ارتكبت بحق جثمان مقاتلة وحدات حماية المرأة بارين كوباني، انتشرت على وسائل الإعلام العالمية. وكما في كل مرة فإن الهدف الأول لقوى الاحتلال هو المرأة. تعرضت العديد من الفتيات في عفرين للاختطاف والاغتصاب. وأفادت منظمة حقوق الإنسان في عفرين إن 30 بالمائة من الانتهاكات ضد أهالي عفرين استهدفت النساء بشكل مباشر. كما تشير المعطيات إلى أن الانتهاكات تستهدف بالمعظم الفتيات القاصرات. وبحسب تقرير المنظمة فقد قتلت حوالي 50 امرأة في عفرين بأشكال وأساليب مختلفة، كما تعرضت حوالي 60 امرأة للاعتداء الجنسي.

سري كانيه و كري سبي

بتاريخ 9 تشرين الأول من عام 2019 شن جيش الاحتلال التركي بمساعدة مرتزقة ما يسمى الجيش الوطني السوري هجوماً على مدينتي سري كانيه وكري سبي بهدف احتلالها. وهنا أيضاً كان الهدف الأول للاحتلال هم النساء. بتاريخ 12 تشرين الأول تم اعتراض الرئيسة المشتركة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف على طريق M4، وقتلت بشكل وحشي. وأقدم المرتزقة الذين ارتكبوا الجريمة على تصوير الجريمة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبتاريخ 26 تشرين الأول شوهدت آثار التعذيب والتمثيل على جثمان مقاتلة وحدات حماية المرأة آمارا ريناس، ونشر المرتزقة على مواقعهم مقاطع تظهر آثار التعذيب على جثمان المقاتلة آمارا.

في المدن التي تم احتلالها من قبل جيش الاحتلال التركي والمرتزقة تتواصل الانتهاكات ضد النساء بشكل متكرر. وبحسب المعطيات التي نشرتها منظمة حقوق الإنسان في إقليم الجزيرة، تعرضت العديد من النساء للاختطاف في قرى كري سبي. وبحسب المعلومات ايضاً فقد فرض المرتزقة على النساء في المدن ارتداء اللباس الأسود والنقاب. وبحسب تقرير منظمة حقوق الإنسان أيضاً فقد تم اختطاف العديد من النساء من سري كانيه من قبل المرتزقة بينهن 5 من الشيشان، 2 من الكرد و 23 من العرب.

ما الذي يمكن فعله؟

انطلاقاً من مبدأ إن حرية المرأة هي حرية المجتمع، فإن لتصعيد نشاطات وفعاليات تدريب وتنظيم النساء أهمية قصوى ومهمة.

– وعلى هذا الأساس يجب على التنظيمات والمؤسسات النسائية العمل على تدريب النساء والرجال، وبشكل خاص الفتيات، وجميع أعضاء المجتمع، عن طريق الأكاديميات والمؤسسات الإعلامية، والمنشورات والاجتماعات والندوات والمحاضرات، وكذلك التواصل مع جميع شرائح المجتمع.

– تعزيز مبدأ التنظيم والحماية الذاتية لدى جميع النساء، بشكل جماعي وموسع.

– انطلاقاً من مبدأ إن الشريحة الرئيسية التي تتعرض للإبادة في جميع الحروب والصراعات هي المرأة، يجب إشراك النساء في جميع مراحل ومسارات المفاوضات.

– تأسيس محاكم في المناطق التي تعرضت فيها النساء لمجازر الإبادة، وأن تشارك النساء في المحاكمات.

– العديد من شعوب المنطقة مثل الشعب الكردي والأرمني والروم والسريان، تعرضوا لمجازر إبادة على يد نفس العدو، يجب تأسيس محاكم مشتركة لمحاكمة هذه الجرائم بشكل مشترك.

– انطلاق من مبدأ أن عقلية وذهنية الرجل، وكذلك الدولة بصفتها ممثلة لهذه الذهنية، لا تستطيع حماية المرأة، يجب تأسيس آليات حماية مشتركة للنساء من مختلف النواحي العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية .. الخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق