سياسة

كيف أثّرت ثورة الـ 19 من تموز على النساء في المناطق المحررة من داعش؟

حققت المرأة في المناطق المحررة من مرتزقة داعش، نموذجًا نضاليًّا وتنظيميًّا فريدًا بتركيبته ونمطه وأسلوبه في المنطقة العربية والغربية، حيث استطاعت المرأة في روج آفا، برسم هذا الإنجاز النضالي في مسيرة الحرية، تعزيز وتقوية نضالها ضمن مجتمع متحرر من الفكر الذكوري.

مسيرة النضال وتنظيم المرأة خلال ثورة الـ 19 من تموز التي تعدّ ” ثورة المرأة”، والتي حققت جملة من الإنجازات خلال 8 أعوام، كانت قادرة على خلق أرضية خصبة لإحياء إيدلوجية المرأة الحرة ضمن المجتمع والسلطة الذكورية، لكافة نساء شمال وشرق سوريا خاصة، ولنساء العالم عامة.

وتُرجع المراقبات أن ما حققته النساء في المناطق المحررة من مرتزقة داعش، وخاصة ضمن مناطق (منبج، الطبقة، الرقة وديرالزور) يعود إلى الثورة التي خاضتها النساء في مناطق روج آفا.

 مسيرة نضالها المستمرة منذ 40 عامًا، والهيكلية التي شكلتها النساء في ذلك الوقت، ساعدت النساء بعد تحرير المناطق من داعش على خوض ثورة جديدة.

من أين استمدت النساء بعد تحريرهن من داعش، تجربة النضال النسوي؟

بدأت تجربة النساء في مناطق (منبج، الطبقة والرقة ودير الزور) في التنظيم النسوي، والعمل على نهج ومبدأ حرية المرأة مع البدء بتحرير تلك المناطق منذ عام2016.

حيث اشتهرت وحدات حماية المرأة إقليميًّا وعالميًّا بعد حربها ضد مرتزقة داعش في مدينة كوباني عام 2014، وبذلك أثّرت في النساء في المناطق المجاورة، وخاصة القابعات تحت حكم وظلم مرتزقة داعش، جاعلة من نموذج نضالهن حلمًا لكل امرأة في روج آفا والمنطقة العربية.

إذ انضمت المئات من النساء من مختلف المناطق السورية، وخاصة المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة مرتزقة داعش والمجموعات المرتزقة الأخرى، إلى صفوف وحدات حماية المرأة، ووجدن في التدريبات الفكرية والعسكرية وسيلة لتحرير المدن وأهلها من ظلم داعش.

وكانت مشاركة النساء في حملات تحرير المدن المذكورة آنفًا واضحة، بالإضافة إلى قيادتها للعمليات والحملات العسكرية، حتى أصبحت ناطقة وقيادية للمجالس العسكرية.

تأثير المرأة لم يقتصر على الساحة العسكرية فحسب، بل هناك العشرات من النساء اللواتي اتجهن صوب مناطق كوباني وعفرين قبل احتلالها في 18 آذار 2018 والجزيرة للتعرف على تنظيم المرأة، والتدرب على تجربتها الحية في كيفية خوض ثورة ذهنية وفكرية في المجتمع الذكوري، وخاصة كيفية التعامل مع المجتمعات العشائرية، حتى أنهن عملن ضمن المجالس والمؤسسات المدنية والنسوية.

نائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في مدينة منبج نورا الحامد، تقول:” أنا خريجة إدارة أعمال، عملت كباحثة اجتماعية مدة عامين، ولكن هذا المجال كان نطاقه ضيقًا، ولم يكن يسمح للمرأة أن تعبّر عن رأيها وفكرها وعن حلول للمجتمع، فالإدارات السابقة لم تكن تسمح بالتغيير والتطوير الفكري، أما بعد تحرير مدينة منبج وبفضل ما استمددناه من نضال المرأة خلال ثورة روج آفا، فقد اختلف الوضع، وباتت المرأة موجودة في كل المجالات”.

تأثير تنظيم المرأة في ثورة روج آفا على نساء المناطق الأخرى

الإنجازات التي حققتها المرأة خلال ثورة روج آفا، والتطور الملحوظ لتنظيمها ضمن المجتمع، أدى إلى أن تكون نموذجًا للمرأة الحرة، وعليه اتخذت النساء من مناطق أخرى ذات النهج للسير عليه.

بعد تحرير مناطق منبج والطبقة والرقة ودير الزور، باشرت المرأة على الفور بتشكيل مجالسها الخاصة، فصار في كل مدينة إدارة للمرأة، ومجالس نسائية، فضلًا عن انخراطها في مجلس المرأة السورية، وحزب سوريا المستقبل، ودورها في الرئاسة المشتركة في الإدارات المدنية، وفي كافة المؤسسات المدنية والمجالس العسكرية وقوى الأمن الداخلي.

وكانت الخطوة الأولى، تهيئة المرأة نفسيًّا وفكريًّا لنفض غبار ما عانته سنوات من ظلم وذهنية مرتزقة داعش، التي سبقتها النظام البعثي الذي همّش دور المرأة، وحصرها في مجال التعليم فقط، وذلك عبر تنظيم دورات فكرية في أكاديميات المجتمع المدني.

تقول إدارية في إدارة المرأة بمدينة الرقة مريم العبو:” عانينا من الذهنية الذكورية في المجتمع ومن الأنظمة الحاكمة، ففي زمن النظام البعثي كانت المجالات المتاحة قليلة جدًّا أمام المرأة، وبعدها جاءت فترة داعش التي كانت أكثر قسوة، حيث جاءت بقوانين أصعب مما كانت عليه سابقًا، وفرضتها على المرأة، خاصة في مدينة الرقة من اغتصاب وتعذيب وقتل”

وتضيف، أن ما عاشته ورأته، أشعل بداخلها ثورة، بالإضافة إلى ما كانت تسمعه وتراه على شاشات التلفاز، كيف أن النساء في مناطق روج آفا رائدات في المجتمع، بعدما تخطين مشقات كثيرة للوصول إلى هدفهن، فزرع ذلك الأمل في داخلها بأنها ستحظى بالحرية يومًا ما، مادام هناك نساء مناضلات ومنظمات في بلدها.

أما إدارية إدارة المرأة في دير الزور شهرزاد الجاسم، تقول:” أفكر بأنه حتى بعد تحريرنا وخلاصنا من داعش، ولم يكن هناك تجربة معاشة في السابق للنساء قدن الثورة، لما استطعن أن نتواجد في أي مكان، وكان حالنا كالسايق، مضطهدات”.

ولم تغب المرأة في تلك المناطق عن الساحة السياسية أيضًا، حيث تشير الناطقة باسم مجلس المرأة في مدينة منبج ابتسام عبد القادر، إلى أن حياتها تحوّلت من حياة روتينية لامرأة عادية تربي الأطفال وتهتم بمنزلها وزوجها، إلى حياة أكثر فاعلية في المجتمع بعد انخراطها في التنظيم، وخوضها العمل السياسي ضمن مجلس المرأة.

وتعيد ابتسام فضل تلك المكتسبات إلى ثورة 19 تموز التي كانت بقيادة المرأة، وتقول:” نحن أيضًا جزء من هذه الثورة فقد أثرت فينا بشكل إيجابي، وألهمتنا النضال من أجل حرية المرأة، وحثتنا على مواجهة كافة الصعاب، وعدم الاستسلام للعراقيل، فنحن نستمد المعنويات والفكر من تنظيم المرأة في ثورة روج آفا، فهو ميراثنا”.

وكان من منجزات الثورة، توحيد مختلف المكونات والطوائف وفئات المجتمع، ومسّ معاناة ومأساة المرأة في كل منطقة، بحسب خصوصيتها ومعالجتها، وهذا ما جعل الثورة تصل إلى ذروتها الحالية، على الرغم من افتقارها إلى العديد من المقومات الفكرية والذهنية، إلا إن استمراريتها في النضال والتمرد ضد الذهنية الحاكمة سيحقق هدفها في التحرير والغوص في الثورة الفكرية.

اليوم تروي المناطق المحررة من مرتزقة داعش عن تضحيات المرأة ونضالها، فهناك أسماء لمعت في هذا الطريق، مثل هناء الصقر، وفاطمة خابور وخديجة العباس وغيرهن العشرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق