مجتمع- ثقافة

​​​​​​​لبنان : مبادرة نسائية في وجه الابتزاز الإلكتروني

الابتزاز الإلكتروني، من الجرائم الدولية التي تضاعفت بسبب أزمة كورونا والحجر الصحي، فالخوف الذي ينتج عن ابتزاز وتهديد أحدهم بفضح المحادثات والصور الخاصة، لا يختلف عن الخوف من الإصابة بالفيروس، وما قام به العالم من تباعد اجتماعي حرصًا على عدم نقل المرض، لم يبعد البعض عن استغلال التقارب الإلكتروني لممارسة وحشيتهم.

في لبنان، الفراغ بسبب توفر الوقت في فترة التعبئة العامة وانعدام المال بسبب الأوضاع الاقتصادية ووباء كورونا، عوامل تضافرت، وأدت إلى ارتفاع نسبة الابتزاز الإلكتروني، ويوصّف القانون اللبناني الابتزاز بالجريمة، حيث يتم من خلالها التهديد بنشر صور أو فيديوهات خاصّة بالضحيّة بهدف الحصول على مبالغ مالية، أو دفع الضحيّة للقيام بأعمال غير مشروعة.

“ابتزّ فتاة من خلال حساب وهمي بغية الاستحصال على مبالغ مالية مستعينًا بشخصين من أفراد أسرته، فكان مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية له بالمرصاد”، خبر لطالما يطالعنا على صفحات المواقع اللبنانية، لكن قصص كثيرة ما زالت طي الكتمان خوفًا من الأهل أو الفضيحة.

“ما يبتزك نحن حدك”

“انتحار امرأة شابة في الثالثة عشرة من عمرها بسبب ابتزاز إلكتروني، بعد أن أرسلت صورها إلى زميلها، وهو بدوره أرسلها إلى زميلتها، فخافت الشابة وانتحرت على الرغم من أن الصور ليس فيها ما يؤدي إلى الانتحار”، قصة مؤلمة دفعت الصحفية اللبنانية والناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي “لطيفة الحسنية”، إلى إطلاق مبادرة فردية، في يونيو/حزيران من العام الماضي 2019، بهدف مساعدة ضحايا الابتزاز، وأطلقت عليها اسم: “ما يبتزك نحن حدك”.

تقول لطيفة لوكالتنا: “قصة انتحار الفتاة دفعتني إلى إطلاق هذه الحملة لتوعية المراهقين والمراهقات – على حد سواء – حول كيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تغريدات في بادئ الأمر لقيت انتشارًا واسعًا، ما جعل بعض الإعلاميات والإعلاميين والفنانات والفنانين يروجون لها من خلال فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تطوع إلى جانبها عدد من المساعِدات الاجتماعيات والمستشارين القانونيين”.

تتابع لطيفة: “الحملة موجّهة للمراهقين والمراهقات، لكن بعض الضحايا كانوا أكبر سنًّا أيضًا”، وتضيف أنها بعد عام تقريبًا، استطاعت مساعدة 275 حالة، بينهم ذكور تعرضوا للابتزاز الإلكتروني.

تعاون لإنقاذ الضحايا.. وتجاهل حكومي للمبادرة

تقول لطيفة لوكالتنا: “إن الضحية – خاصة الفتيات – تفتح لها قلبها مثل الذي يغرق ويتعلق بقشة، ويحتاج لمساعدة أحد من خارج أسرته”، وهذا ما تفعله صاحبة المبادرة الفردية، حيث ترافق الضحية خطوة بخطوة على مدار الساعة، وتخبرها كيف يجب أن تتصرف مع المبتز من دون أي استفزاز، حتى يتم الإيقاع به في أيدي السلطات المختصة، أو حل القضية كاملة”، وتؤكد لطيفة: “أن مكتب جرائم المعلوماتية متعاونون جدًّا معي”.

تواصل لطيفة كلامها بعتب على الحكومة اللبنانية التي لم تُلقِ بالاً لمبادرتها التي استطاعت من خلالها إنقاذ أرواح المئات من الموت المؤكد، تقول لوكالتنا: “حاولت إنشاء جمعية قانونية لمساعدة هؤلاء الشباب والفتيات الذين يتعرضون للابتزاز، وتواصلت مع رئيس الحكومة الحالي حسان دياب، ووزيرة الإعلام منال عبد الصمد لكن من دون جدوى”، وعن سبب ذلك تؤكد: “أن أي أمر خارج إطار سلطة الأحزاب لا يمكن دعمه، وأنا لست منتمية لأي حزب، إضافة إلى الوضع الحالي في البلاد اقتصاديًّا وأمنيًّا”.

قصص مؤثرة

حاولنا أخذ مقابلات مع أشخاص تعرضوا للابتزاز الإلكتروني، لكنهم رفضوا بسبب خوفهم من أهلهم أو من المبتز نفسه، لكن صاحبة مبادرة “ما يبتزك نحن حدك”، روت لنا قصصًا أثّرت فيها وما زالت عالقة في ذهنها، وتذكر لطيفة قصة لفتاة سورية لاجئة “لم تكن قادرة على تقديم شكوى ضد مبتز لبناني بسبب عدم قانونية أوراقها التي كان يهددها بها، إضافة لتعرضها للضرب والتعنيف الجسدي واللفظي والمعنوي، ومحاولة جرها إلى علاقات جنسية، لكن عندما سمعت بحملتي على مواقع التواصل الاجتماعي، تواصلت معي، وأنا بدوري تحدثت إلى مخابرات الجيش الذين تفهموا الحالة، وبعد تحسين وضعها القانوني لدى الدولة اللبنانية، استطعنا الإيقاع بالمبتز الذي نال عقابه، لكن الفتاة ما زالت تعاني مشاكل نفسية وعاطفية حتى اليوم بسبب ما حصل معها”.

حالة أخرى ترويها لنا لطيفة لفتاة ساعدها والدها، وهو ما أثار إعجابها كون ذلك يدل على الترابط الأسري، تقول لنا: “هددها المبتز بأن يذهب إلى بيتها ويخبر والدها، فاتفقت معه على مكان للقاء ودفع المال، وتحرّك مكتب جرائم المعلوماتية وذهبت الفتاة، وكان الكمين بانتظاره ولا يزال قابعًا في السجن”.

نصائح لمستخدمي المواقع الإلكترونية

إحدى الحالات التي وصلت لحملة مكافحة الابتزاز الإلكتروني، تعرّض امرأة شابة للابتزاز من خطيبها بعد انفصالهما؛ ‏وكان يطلب منها مقابلًا ماديًّا بشكل دوري حتى يمحو الصور والفيديوهات؛ والمبلغ كان يزيد كل فترة”.

لذلك، تنصح لطيفة الحسنية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي “كي لا يقعوا ضحية ابتزاز، أن يحموا أنفسهم، ليس من الغريب فحسب، بل حتى من أقرب الناس لهم، فالابتزاز قد يكون من صديقكم، أو حبيبكم أو حتى الزوج في حال الانفصال، وتؤكد ضرورة مراقبة الأهل لهواتف أولادهم خاصة تحت عمر 18 عامًا، وهذا ليس انغلاقًا كما يظن البعض، فإن آخر نظريات الإعلام الرقمي كشفت ضرورة إطلاع الأهل على حسابات أولادهم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

أما بخصوص المرأة الشابة التي تتعرض للابتزاز، فتقول لطيفة: “من الخطأ الصمت على ذلك، لأنها بذلك هي تقترب من الاكتئاب ثم الانتحار، ويجب عدم التفاوض مع المبتز والخوف من الفضيحة، بل الحل بفضحه والاتصال بي للمساعدة، أو بالقوى الأمنية، أو التصرف بحنكة وذكاء إن لم ترد إخبار أحد، فكل قضية ولها حل”، وتضيف أنها أحيانًا لحماية الضحية، تطلب منها تكذيب المبتز إذا نشر الصور، والادعاء أن الحساب مسروق والصور مركبة”، والمهم بحسب لطيفة حماية حياتها أولًا، حتى لو تطلب الأمر عدم إعلام الأهل ببعض القضايا، رغم تمنيها أن يكون الأهل دائمًا إلى جانب أولادهم”.

لماذا يفلت الجناة؟

في بعض الحالات، لا يتم التوصل إلى معرفة الفاعل لوجود عدد كبير من مرتكبي الجرم خارج لبنان، وخاصة في قضايا الابتزاز الجنسي، وعدم وجود معلومات كافية عن الفاعلين، إذ يكونون في معظم الأوقات منتحلي صفة وبأسماء وهمية، وضياع الدليل الرقمي الذي من خلاله يتم تعقب الفاعل وتوقيفه، وعدم تزويد المكتب بمعلومات تنير التحقيق من قبل المدعين والتراجع عن الشكاوى المقدمة منهم، بحسب إفادة المديرية العامة، التي لفتت إلى أنّ نتيجة التحقيقات في الشكاوى الواردة ليست بمعظمها إيجابية.

ولكن صعوبات كشف هوية صاحب الحساب الوهمي أو المبتزّ موجودة كذلك في لبنان، فقد يتمّ استعمال “Shared IP”  أي عنوان رقميّ مشترك لأكثر من مئة شخص، وحتى لو تمّ تحديد العنوان الرقميّ لا يمكن معرفة الشخص صاحب الحساب الوهمي أو المبتزّ، وتصبح مهمة كشف هوية هذا الشخص مستحيلة عندما يكون خارج لبنان، خصوصًا في الجزائر والمغرب وتونس على اعتبار ضعف الرقابة.

الوقاية خير من العلاج

ويرى المختصون أن الحماية من الابتزاز الإلكتروني منذ البداية تتم عبر عدة خطوات، فما هي تلك الخطوات؟

يجب أولًا عدم تصفح المواقع مجهولة المصدر أو غير المشهورة التي يمكن أن تكون مرتبطة ببعض البرامج التي تفتح الكاميرا الخاصة بك من أجل التقاط الصور، أو تكون مرتبطة ببعض الروابط المجهولة التي تسرق البيانات، وأيضًا عدم تصفح المواقع الجنسية، خاصة على جهازك، لأن كثيرًا من هذه المواقع تسرق بيانات ومعلومات المستخدمين وتجعلهم عرضة للابتزاز الإلكتروني.

إضافة إلى ذلك، ينصح المختصون بالمواقع الإلكترونية عدم مراسلة الأشخاص الذين لا تعرفهم نهائيًا سواء كانت مكالمة صوتية أو نصية، وحاول أن تحمي هاتفك المحمول من خلال وضع برامج تظهر أرقام المتصلين المجهولة حتى يكون لك إثبات على من يتحدث إليك من المجهولين، وأن لا تضع بياناتك ومعلوماتك وصورك الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام دون عمل أداة الخصوصية التي تتيح للأصدقاء الذين تثق بهم أو من تختارهم الدخول لهذه المعلومات دون غيرهم، وأخيرًا تجنب قبول صداقات أو طلب صداقات من جهات غير معروفة لديك، وعدم الرد والتجاوب على أي محادثة ترد من جهات غير معروفة بالنسبة لديك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق