دراسات وابحاث

​​​​​​​في ذكرى عملية زيلان الفدائية .. فدائيات كرديات وعربيات ناضلن ضد الاحتلال

تزخر صفحات التاريخ بأسماء نسوة فدائيات غيّرن مصير شعوبهن، وثرن على واقعهن المظلم، وحوّلن أجسادهن إلى جسور يعبر من خلالها شعوبهن إلى الحرية، ولكن تبقى المرأة الكردية الفدائية الأكثر لفتاً للانتباه، لأنها لم تكن ضد الاحتلال فقط بل ضد الذهنية الذكورية التي تريد استعباد المرأة دوماً.

ويصادف، اليوم، الذكرى السنوية الـ 24 لاستشهاد المناضلة زينب كناجي الاسم الحركي “زيلان” التي نفذت عملية فدائية ضد الجيش التركي بتاريخ 30 حزيران 1996.

وبهذه المناسبة، سنسلط الضوء على نسوة كرديات وعربيات نفذن عمليات فدائية ضد الظلم، منهن المناضلة زينب كناجي” زيلان”، أرين ميركان، أفيستا خابور، ريفانا كوباني، حميدة الطاهر، وسناء محيدلي، وغيرهن المئات من النسوة اللواتي سطرن ملاحم بطولية في وجه الظلم.

زينب كناجي” زيلان”

زينب كناجي من قرية ألمالي في منطقة “ملاطيا” في شمال كردستان من مواليد 1972 من عشيرة مامورلي.

درست علم النفس في جامعة ” إينونو” في ملاطيا، وعملت في قسم التصوير والأشعة ضمن المشفى الوطني في ملاطيا قبل انضمامها إلى حركة التحرر الكردستاني.

المناضلة كانت من أسرة متوسطة الحال، إلا أن بنيتها الإجتماعية متأثرة بالتقاليد الإقطاعية والمفاهيم البرجوازية، وتزوجت من رجل كان معها في القسم الجامعي نفسه.

تطور اهتمام المناضلة بالفكر اليساري والقضية الكردية عندما كانت تدرس المرحلة الثانوية، وتعمقت في أمور الحياة خلال تلك السنوات، دون أن تتبنى أي نهج سياسي، وخلال المرحلة الجامعية توضح اتجاهها من بين الأفكار اليسارية، وبدأت تميل إلى نهج حركة التحرر الكردستاني.

بدأت المناضلة عام 1994 بالمشاركة في الفعاليات الجبهوية في مدينة أضنة لمدة عام، حتى اعتقلت من قبل الحكومة التركية عام 1995، وفي ذات العام التحقت بصفوف حركة التحرر الكردستاني في ديرسم.

 تقول المناضلة زيلان في رسالتها إنها تمكنت من التعرف إلى شخصيتها من كافة الجوانب، واكتسبت تطورًا، واستمدت القوة من مسألة المعنويات والقرار والإرادة والحسم في كثير من القضايا آنذاك.

ولم تقبل المناضلة زيلان على الرغم من أنها كانت صاحبة مهنة، أن تعيش حياة طبيعية ووطنها تحت نير الاحتلال، وبقوة الانتماء للقيم الوطنية تأثرت بفكر وفلسفة قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان خاصة مبادئه لحرية المرأة.

شقّت المناضلة، طريق النضال لتترك خلفها بصمة في قلوب كافة النسوة الثائرات، حينما قررت ونفذت أول عملية فدائية ضد الدولة التركية، لتزرع في قلوب محتلي كردستان الرعب من إرادة المرأة الحرة.

نفذت المناضلة زيلان عمليتها الفدائية، والتي كانت الأولى من نوعها في تاريخ الحراك الثوري النسوي، في إحدى مراكز الدولة التركية بمركز مدينة ديرسم في شمال كردستان في 30 حزيران عام 1996، وذلك بعد عام من انضمامها إلى الحراك الثوري.

زرعت العملية الفدائية الرعب والخوف في صفوف قوات الجيش التركي، إذ راح منهم  18 قتيلًا و21 جريحاً في تلك العملية.

جاءت عملية المناضلة زيلان، كرّد على العملية التي استهدفت القائد عبدالله أوجلان بيد الإستخبارات التركية، والتي صرفت الآلاف من الدولارات واستخدمت عشرات الأطنان من المواد المتفجرة في محاولة اغتياله في دمشق.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المناضلة زيلان رمزاً للمرأة الفدائية، إذ خلقت تطورات وتغييرات تاريخية، وفتحت الطريق أمام النساء المناضلات للسير في طريق الحرية، وبات اسم المناضلة زيلان في كل مكان وزمان.

رسالة زينب كناجي للشعب والقائد

كتبت المناضلة زيلان قبل تنفيذ عمليتها الفدائية رسالة ورقية بخط يدها، وجهتها إلى الشعوب ونساء العالم، إلى قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان.

أصبحت تلك الرسالة مرجعية للنسوة الثائرات والشعب المناضل، ولكل امرأة حرة ومقاومة.

وأبرز ما دونته المناضلة في الرسالة “إن ارتباطي والتحامي وتمسكي بالحياة هو ارتباط نموذجي، لذا أريد أن أكون صاحبة عملية كبيرة وحياة ذات معنى كبير، إن نضال التحرر الوطني الجاري بقيادة القائد أوجلان سوف يصل إلى النصر قريباً، وكما أن شعبي المظلوم سوف يأخذ مكانه اللائق به ضمن أسرة الإنسانية،  فأنا أريد أن أترجم ذلك في عملية كبيرة تكون مسجلة في سجل الخالدين، ولأنني أحب الإنسانية كثيراً جداً أريد القيام بمثل هذه العملية.

إنني أنادي الإنسانية جمعاء، إذا كنتم لا تريدون أن تقترفوا هذه الجريمة بحق الإنسانية، تضامنوا مع الشعب الكردستاني وساندوه، نظفوا قلوبكم وأذهانكم من صدأ الإمبريالية الذي ألحق الضمور بها، واستمعوا إلى نداء وخفقات الحرية لهذا الشعب، لأن هناك الأخوّة والفضيلة الإنسانية والصداقة في هذا الصوت”.

آرين ميركان “ دلارا كينج”، وريفاناروج آفا

توارثت نساء شمال وشرق سوريا نهج المرأة الفدائية من المناضلة زيلان، ولم يتوانين في التضحية والفداء في سبيل خلق حياة حرة وكريمة لكافة نساء وشعوب المنطقة، وبناء مستقبل مشرق لأطفالهن.

ومن النسوة الفدائيات، الشابة العفرينية دلارا كينج ” آرين ميركان” التي انتهجت نهج المناضلة زيلان في الفداء والتضحية، وأنقذت نساء العالم من وحشية مرتزقة داعش عام 2014.

وُلدت المناضلة آرين عام 1992 في قرية حسي” ميركان” التابعة لناحية موباتا في مقاطعة عفرين، والتحقت بصفوف حركة حرية كردستان عام2007.

وبعد اندلاع ثورة روج آفا 19 تموز 2012، انضمت آرين وريفانا إلى الثورة، وأخذتا مكانهما بين صفوف وحدات حماية المرأة YPJ، وبشخصيتهما المتخذتين من مبدأ حرية المرأة أساساً لهما، أثرتا على رفيقاتهما ونساء المنطقة.

وفي عام 2014، سيطر مرتزقة داعش على مدينة الموصل العراقية والرقة السورية ، وحاصروا مقاطعة كوباني من 3 جهات، وبدأوا بشن هجمات متفرقة عليها، حتى جاء يوم 15 أيلول/سبتمبر ليشنوا أكبر هجوم عليها.

مع وصول مرتزقة داعش إلى تلة مشته نور المُطلة على مدينة كوباني، في اليوم الخامس من شهر تشرين الأوّل عام 2014 وفي أوج الاشتباكات، حيث كان داعش يعتقد أنه اليوم الأخير لدخول المدينة، وبعدما حاول المرتزقة السيطرة الكاملة على تلة مشته نور توجّهت المقاتلة آرين ميركان التي كانت تقاتل في إحدى المجموعات الصغيرة في التلة، صوب مجموعة من المرتزقة لتشتتهم بعمليتها الفدائية.

على إثر العملية الفدائية وقع العشرات من القتلى بين صفوف المرتزقة، وبدأ الذعر يدب في نفوسهم بعدما تأكدوا أن سور المدينة تحول إلى حلقة نار آرين ورفيقاتها، التي أنقذت كوباني من وحشية المرتزقة.

وفي الجهة الجنوبية لقرية كولمت وعلى مسافة قصيرة من المكان الذي نفذت فيه المناضلة آرين ميركان عمليتها الفدائية، أنقذت المناضلة ريفانا رفاقها ورفيقاتها الجرحى على الرغم من إصابتها أيضاً، ونفذت عملية فدائية، وبذلك استطاعت إيقاف هجمات وتقدم المرتزقة وكسرت شوكتهم.

استطاعت آرين ميركان وريفانا كوباني بعمليتيهما البطولية جذب أنظار العالم إلى مقاومة كوباني، وإنقاذ الشعب من خطر الإبادة، كما فتحت أعين العالم  على مدى الخطر الذي يُشكله داعش.

آفيستا خابور

وفي مقاومة العصر التي أُبديت في وجه الاحتلال التركي في مقاطعة عفرين، أرهبت المقاتلة آفيستا خابور بعمليتها الفدائية ضد جيش الاحتلال في 27 كانون الثاني  2018، قوى الاحتلال التركي ومرتزقته.

المناضلة زلوح حمو” أفيستا خابور” مواليد 1998 مدينة حلب، من أهالي قرية بيليه في ناحية بلبلة بمقاطعة عفرين، شقيقة لـ 4 أخوات و3 أخوة شباب وهي الكبرى بينهم.

عاشت المناضلة أفيستا في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، ومع بداية الأزمة السورية أُجبرت أسرتها على النزوح إلى محافظة دمشق، ولأنها كبرت في أجواء الحرب والدمار عاشت طفولة قاسية وصعبة.

تعرفت المناضلة أفيستا على وحدات حماية المرأة، بعدما عادت من دمشق إلى مسقط رأسها في قرية بيليه بناحية بلبلة، وخلال ذلك قرأت أفكار القائد أوجلان وقصص المقاومة والفداء لشهداء الثورة.

من هنا تعمقت الروح الثورية لدى آفيستا أكثر، وسارعت للانضمام إلى صفوف وحدات حماية المرأة عام 2014، حيث وجدت في صفوفها كل ما كان يدور في عقلها من أفكار وإجابات لتساؤلاتها، وسعت إلى إثبات ذاتها من خلال تلقي تدريبات فكرية وعسكرية وأصبحت مقاتلة في قوات مكافحة الإرهاب.

كانت أفيستا في مقدمة المقاتلين والمقاتلات الذين قاوموا هجمات الاحتلال التركي على مقاطعة عفرين في 20 كانون الثاني 2018، وقد ثبتت جبهتها في منطقة جندريسه.

بعد 7 أيام من بدء الهجمات أي في 27 كانون الثاني، تعرضت قرية حمام الحدودية في منطقة جندريسه لأعنف الهجمات من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته، وأثناء الاشتباكات القوية التي دارت بين وحدات حماية المرأة والشعب وجيش الاحتلال التركي ومرتزقته، نفذت المناضلة أفيستا عملية فدائية من خلال تفجير قنبلة يدوية كانت تحملها ودمرت دبابة لعناصر الاحتلال التركي.

أعادت المناضلة آفيستا عصر المقاومة إلى الأذهان عندما قارعت الجيش التركي المحتل ومرتزقته، وسطرت في التاريخ عظمة المرأة الفدائية التي تطبق مقولة” كل شيء فداء للوطن”.

وتبجيلًا وتقديرًا للمناضلة آفيستا، أنشأ مجلس عوائل الشهداء في مقاطعة عفرين في 31 كانون الثاني من عام 2018 مزارًا باسم الشهيدة “آفيستا خابور”، الذي احتضن المئات من شهداء مقاومة العصر المدنيين والعسكريين.

وفي انتهاكٍ صارخ للقيم والمبادئ الإنسانية دمر جيش الاحتلال التركي بتاريخ 12 آب من العام ذاته مزار الشهيدة آفيستا خابور الواقع بالقرب من مركز عفرين بالجرافة .

نساء عربيات عرفن في التاريخ بأنهن فدائيات

يشهد التاريخ على عظمة المرأة ومقاومتها وتمردها على ذهنية الظلم والاستبداد الممارس على الشعوب، فهناك ملاحم للنساء زخرت بها كتب التاريخ، كيف قادت وأدارت وضحّت المرأة بنفسها في سبيل خلق مجتمع ديمقراطي وحر.

ومن النساء الفدائيات، حميدة الطاهر من مواليد مدينة الرقة 1968، انتسبت إلى الحركات الثورية الشبابية في سوريا عام 1981، ولأنها لم تقبل الظلم والاستبداد نفذت عملية فدائية .

وسناء يوسف محيدلي، من مواليد 1968 صيدا جنوب لبنان، وتعرف بأنها أول من قامت بعملية فدائية في جنوب لبنان.

وهناك المئات من الأمثلة على النساء الفدائيات، منهن فلسطينيات مثل” زكية شموط، دلال المغربي، وغيرهن العديد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق