المكتبة

لمعة علي استطاعت استعادة حقها في التعليم بعد 35 عاماً

استعادت لمعة علي حقها في التعليم بعد 35 عاماً من الحرمان، وأصبحت معلمة للغة الكردية بعد أن تمكنت من الحصول على شهادتي التعليم الأساسي والبكلوريا بعد غمار في العلم ودخولها إلى جامعة روج آفا.

ما كل ما يتمناه المرء يدركه، كلمات شهيرة حفظناها عن إحدى القصائد، ولكن قلائل هم من يقفون في وجه الأقدار ويحاولون أن يسعوا للحصول على ما تمنوا، ويؤمنون أن السبيل للوصول إلى الأهداف لا يزال سالكاً بغض النظر عن الأعمار والأماكن والظروف، أولئك الذين لا يثنيهم الفشل ويكررون المجازفات للوصول إلى الأميات، ولمعة علي واحدة من تلك النساء.

معلمة الأدب الكردي في أكاديمية الشهيد عكيد والكاتبة لمعة محمد علي البالغة من العمر 46 عاماً وهي من قرية شيرو في مدينة ديريك، لديها 7 أخوة و3 أخوات، والدها توفي منذ عدة سنوات، انتقلت مع أسرتها إلى مقاطعة قامشلو منذ أن كان عمرها 6 سنوات، وتحدثت لمعة عن الدرب الذي سلكته من أجل الوصول إلى هدفها قائلة “في ذلك الوقت كانت الفتيات تسجل نفسها من أجل دخول المدراس، نتيجة الذهنية الذكورية وبحجج الدين والحرام لم يسمحوا لي بمواصلة تعليمي”.

وتابعت لمعة حديثها مشيرةً” بعد أن أصبح عمرها عشر سنوات انتقلوا إلى محافظة الشام، تعرفت في ذلك الوقت على رجل كان يدعى أبو رستم وهو مدرس عربي من مدينة عامودا، أعلمته بقصتي وحبي للتعلم، فأحضر لي في ذلك الوقت دفتراً وقلماً وبدأ بمساعدتي على التعلم، فعلمني الحروف الهجائية في البداية، وبعدها بدأ بتعليمي القراءة، فكانت كلمة وداد أول كملة تعلمتها، لكنه لم يستمر في تعليمي لأنه ظروفه أجبرته على العودة إلى أرضه”.

وعن إصرارها على التعلم قالت لمعة أن غياب مدرسها لم يمنعها من الاستمرار في التعلم، فتعلمت لوحدها وسعت للتعلم لمدة خمسة أو ستة سنوات في الشام، لكنها لم تصل إلى المستوى الذي تريده، وبينت” بعد عودتنا إلى قامشلو ارتاد أخوتي الأصغر المدرسة، كون أسرتي أدركت ضرورة التعلم، فبدأت أراجع الدروس مع اخوتي بدءاً من الصف الأول وحتى الخامس، فكنت طوال الوقت معهم، وبقيت على هذا الحال حتى بلغت من العمر 35 عاماً”.

وحثت صورة شاهدتها لمعة على فيسبوك لامرأة تبلغ من العمر 80عاماً حازت على شهادة جامعية، حافزاً لمواصلة طريقها وكسر حاجز الخوف والخجل من عمرها، قالت” توجهت إلى عدد من المدراس حتى أحصل على شهادة الصف السادس من أجل أن أتمكن من تقديم امتحان شهادة التعليم الأساسي “الصف التاسع”، ولكنني قوبلت بالرفض الشديد كوني أمية، لكن ذلك لم يثنيني فاستمريت في البحث عن مدرسة، في النهاية توجهت إلى المركز الثقافي وطرحت موضوعي على مدير المركز  فقام بإحضار كتاب وطلب مني قرأته كامتحان لي، فسمح بعدها بتقديمي الامتحان بحجة أنني طالبة نظامية من الصف الأول إلى السادس لكن أوراقي فقدت، فأقدمت وقتها على تقديم امتحان للصفي السادس والخامس كسبر للمعلومات وكان موعده بعد 15 يوماً من ذهابي للمركز الثقافي”.

أما عن تجربتها بتقديم الصف التاسع وهي بعمر 35 أوضحت لمعة بأنها كانت تذهب إلى الدورات مع طلاب صغار في السن، ولم تكن تشعر بالخجل من ذلك بالرغم من فارق العمر، مشيرةً “كنت أسألهم ما لا أفهمه واستفسر منهم وأشعر أنني في عمرهم؛ لأن طفولتي ضاعت من دون أن أحصل على العلم الذي استحقه، لكني استعدتها من خلال الذهاب مع أولئك الصبية الصغار”.

رسبت لمعة علي في السنة الأولى من تقديمها، إلا أن هذا لم يثنيها عن المحاولة مرة أخرى، مؤكدةً بأن “الحياة عبارة عن مجموعة من التجارب والمحاولات، والفشل مرة لا يعني الهزيمة، ويمكننا النهوض أقوى مما كنا عليه في المرة الأولى”، درست في المنزل وقدمت للسنة الثانية وتكلل جهودها بالنجاح، قائلةً “هناك صديق أخبرني أن دموع النجاح أشد من دموع الحزن والفشل، لقد بكيت بكاء لم أبكه من قبل في حياتي من شدة الفرح”.

وأشارت  لمعة بأن المواقف لا تولد إلا من رحم التجربة، فهي جربت لذة العلم ونكهته الخاصة، وعرفت الفرق بين أن تكون متعلمة وبين أن تكون جاهلة، قائلةً “بعد هذه التجربة تبدلت نظرتي للحياة، قررت إكمال تعليمي وتقديم البكلوريا، فأخبرت أسرتي بذلك، وهم بدورهم تغيرت نظرتهم للحياة في ذلك الوقت، فبدورها شجعتني، ربما لأنها شعرت بالذنب من ناحيتي بعد أن عرفت قيمة العلم”.

وعند صدور نتائج البكلوريا أعربت لمعة علي أنها كانت خائفة ولم تشجعها الفتيات اللواتي قدمن معها الامتحان “كن يتحدثن عن رسوبهن لعدة سنوات، ذلك أفقدني الإيمان في نفسي، لكن عندما تلقيت نبأ نجاحي بعلامات جيدة تؤهلني لدخول العديد من المعاهد لكن عمري لا يسمح بذلك، نظراً لأن للمعاهد عمر محدد للدراسة، فسجلت نفسني في الجامعة فرع تجارة واقتصاد مع شقيقي وشقيقتي”.

وأوضحت لمعة” أوقفت جامعتي في السنة الأولى بسبب مرتزقة داعش الذين هاجموا المنطقة، لتظهر في تلك الفترة جامعة روج آفا، فانتقلت للدراسة بها وتحديداً قسم اللغة الكردية، “كنت في الدفعة الأولى الأمر الذي أدى إلى تكثيف المنهاج، واختصاراً للوقت أنهينا المناهج في سنتين، بالرغم من أنه كان يجب أن ينتهي في 4 سنوات، وهذا شكل جهداً مضاعفاً علي، ففي البداية شعرت أنني لن أستطيع تعلم شيء، لكن مع المحاولة والتركيز نجحت في كل المواد، وأصبحت مدرسة أدب ولغة كردية للمدرسين الجدد”.

وبصدد موهبة الكتابة بينت لمعة بأنها كانت تكبت الخواطر وشجعها من حولها للمشاركة في مهرجان أوصمان صبري” كانت مشاركتي الحقيقية الأولى في مهرجان أوصمان صبري بمسابقة القصة القصيرة في عام 2018م، وكان عنوانها “لهنك” أو “البطل” وحازت وقتها على المرتبة الثالثة في القصة القصيرة الكردية”.

وصرحت لمعة بأنها تستعد لجمع جميع الخواطر التي كتبتها في كتاب أو كتيب صغير حتى لا تضيع أو تندثر قائلةً “كافحت للحصول على حقوقي وبالأخص حق التعليم، والفشل هو بداية النجاح، والكون لا يسير كما نخطط له، لذا فإن أمل النجاح وتكرار التجربة يعطينا الأمل بالحياة”.

واختتمت لمعة حديثها بقراءة خاطرة كتبتها لصديقتها الشهيدة خلات ديريك، وهي عبارة عن دعوة للنهوض من السبات والعزلة وتحقيق الأحلام والأماني، وفي نهاية القصيدة ذكرت عصفورة تدق على نافذتها في الصباح، تشبيهاً بصديقتها التي جاءت لتوقظها من انكسارها.

والجدير بالذكر أن لمعة محمد علي لا تزال تتلقى دروساً في الجامعة الافتراضية في روج آفا بدءاً من الساعة 8وحتى 11 ليلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق