المكتبة

المقاتلة بارين كوباني زرعت الخوف في قلوب الأعداء وهي على قيد الحياة وحتى ما بعد استشهادها

ارتكبت الدولة التركية الفاشية انتهاكات وجرائم حرب بحق الإنسانية في شخص المرأة للنيل من إرادتها وطمس هويتها, وباستهداف المرأة استهدفت المجتمع بأكمله, وكان التمثيل بجسد المقاتلة بارين كوباني دليلاً صارخاً على همجية ووحشية الاحتلال, إلا أن المقاتلة بارين بقوتها وجسارتها كانت تشكل حالة رعب وذعر في قلب الاحتلال وهي على قيد الحياة وحتى ما بعد استشهادها.

مع دخول القائد الأممي عبد الله أوجلان منطقة الشرق الأوسط واتخاذه مبدأ” حرية المجتمع يمر من حرية المرأة”, ومن هذا المنطلق بدأت المرأة بالنضال وانضمت لصفوف الحركة التحررية, وحققت إنجازات عظيمة وأقدمت على الكثير من الفعاليات والخطوات الفذة لبناء مجتمع حر مبني على أسس الديمقراطية وحرية المرأة.

ومما لاشك به أن المرأة في روج آفا أثبتت وجودها بجدارة وكفاءة على كافة الأصعدة التنظيمية, السياسية, الاجتماعية, الاقتصادية, التدريبية, ولعل من أبرزها العسكرية, ولعبت دورها في ريادة هذه الأصعدة وأصبحت الرائدة والمثال الذي يحتذى به في العالم أجمع.

وبرهنت المرأة بامتياز قدرتها على القيادة وإدارة شؤون الثورة, وحملها للسلاح ما كان إلا بهدف الحماية والدفاع عن شعبها ومكتسباته ووجوده التاريخي الذي يتعرض لهجمات من قبل الأنظمة الرأسمالية والرجعية, وبشكل خاص قضية المرأة التي تُهمش كينونتها ووجودها الإنساني من قبل هذه الأنظمة وباتت مُجردة من كل حقوقها, فالمرأة في روج آفا وبعد استلهامها الفكر الحر من القائد الأممي عبد الله أوجلان الذي أعطى للمرأة حيزاً كبيراً من الاهتمام والبحث وعبر توجيهاته وكتبه المتعلقة بقضية المرأة , فتح الأبواب أمامها للبحث عن وجودها و البدء بتكوين شخصيتها, ومن هنا نستطيع القول بأن المرأة  في روج آفا لم تقف مكتوفة الأيدي إنما نظمت نفسها في كل المجالات منذ اندلاع الثورة إلى حين تشكلت وحدات حماية المرأة عام 2013م, ومن خلال مشاركتها الفعالة استطاعت المقاتلات إثبات دورهن والبروز في الصدارة في المشهد العسكري في مواجهة أعتى قوة ظلامية ألا وهي داعش, وفي مواجهة ثاني قوة في حلف الناتو.

ما شهدناه ونشهده اليوم بأن الأنظمة الرأسمالية والدولة التركية على رأسها لا يمكنها تقبل وجود كيان حر للمرأة لذلك تعمد في كل فرصة باستهداف المرأة بشكل مباشر لأنها عصب الحياة, والمحور الأساسي في الثورة, وجزء حيوي في المجتمع, وتعلم جيداً أن كسر إرادة المُجتمع وإبعاده عن ثقافته وقيمه وتحييده عن النضال والحرية يكون عن طريق  استهداف المرأة,  لذلك من البديهيات بأن استهدافها هو استهداف المجتمع بحد ذاته, وقد ارتكبت الدولة التركية ومرتزقتها العديد من الجرائم بحق المرأة خلال هجومها البربري على عفرين و مناطق شمال وشرق سوريا, وضربت عرض الحائط جميع القوانين والمواثيق الدولية بشأن التمثيل بالجثث. والأمثلة على ذلك لا تزال حية وهي وصمة عار على جبين الإنسانية ومنها التمثيل بجثة المقاتلة بارين كوباني, مروراً بالأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف ووصولاً إلى المقاتلة أمارا ريناس.

ومع بدء الهجوم التركي على منطقة عفرين بتاريخ 20/01/2018 واحتلالها بتاريخ 18/03/2018, مستخدمة الطيران الحربي وكافة الأسلحة الثقيلة والأسلحة المُحرمة دولياً. هجرت الآلاف من المدنيين, وقتلت المئات من المدنيين من بينهم الأطفال, بالإضافة إلى استهداف الآثار والمنشآت وقطع الأشجار.

أثناء هجوم الطيران الحربي التركي وهجمات المرتزقة على ناحية بلبله, وخلال الاشتباكات بينهم وبين مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة, هناكَ أبدت المقاتلات مقاومة عظيمة وسطرن أروع الملاحم كبقية الملاحم التي سطرت في النواحي الأخرى, وعلى إثرها ارتقت عدد من المقاتلات وكانت من بينهن المقاتلة بارين كوباني إلى مرتبة الشهادة, فقد وقعت جثامينهن في يد الطغاة وأعداء الإنسانية, الذين مثلوا بأجساد هؤلاء القديسات اللواتي دافعن و ضحين بإصرار ومقاومة قل نظيرها في وجه العثمانية الجديدة, هذه الجريمة النكراء المنافية لأخلاق الإنسانية وقيمها, أجهر للعالم الوجه الحقيقي لهوية هؤلاء المحتلين ومدى وحشيتهم وحقدهم الدفين للشعب الكردي وفي المُقدمة المرأة الكردية ولا سيما الباحثة عن الحرية, والتي لا تقبل الخنوع أو الاستسلام.

ينص القانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربع لعام1949م, وبروتوكوليها الإضافيين لعام1977م, الذي أوجب عدم الاعتداء على الكرامة الشخصية, وعدم اللجوء إلى المعاملة المهينة إن تعلق الأمر بجثث الموتى, كما إنه يتوجب على أطراف النزاع البحث عن جثث الموتى أو القتلى من الطرف الآخر, واتخاذ التدابير اللازمة لمنع سلبها أو سرقتها, وفي حال عدم التمكن من تسليمها للطرف الآخر بسبب الحرب وظروفها, يجب دفنها وفقاً لشعائر دين الميت ومذهبه, إضافة إلى ذلك فإن المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية تعتبر أن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام1949م تندرج ضمن ختنة جرائم الحرب.

والمقاتلة بارين بعد الهجوم الداعشي على شنكال وأسر النساء هناك واغتصابهن وخطفهن, قررت الانضمام لصفوف وحدات حماية المرأة عام2014م, وكان انضمامها من أجل حماية كافة النساء من العدوان والعبودية وإيصالها إلى الحرية التي كانت تطمح إليها, فهي كفتاة شابة لم تقبل على نفسها ما يُمارس على المرأة من انتهاكات وأفعال شنيعة, فأرادت أن تكون الجواب الصارم على كل من يتعدى على المرأة بشكل خاص وشعبها على وجه العموم.

بارين كوباني مصدر الحنان, صاحبة الابتسامة التي تبعث الأمل والتفاؤل في روح رفيقاتها, فكلما كنت تلتقي بها كانت لتعطيك شيئاً لم تملكه الرفيقات الأخريات, بارين ذات الإرادة الجبارة والطموحة في أهدافها, عملت ساعية لترتقي بأفكارها التي استوحتها من منبع الفكر الحر القائد عبد الله أوجلان, واجتهدت بكل صدق وتفاني للقيام بكل ما يتطلب منها لبناء ذاتها وشخصيتها المُستقلة, ولتحرر نفسها وكل النساء من قيود المجتمع البالية, وتحطم الذهنية الذكورية السلطوية التي ترى المرأة كشرف لها, لتؤكد بذلك أن المرأة هي روح الحياة النابضة, وليست شرفاً لأحد إنما الشرف هو الأرض والكرامة.

وكانت بارين تُعرف بين رفيقاتها بمحبتها وعفويتها, وتواضعها الذي جعلها محط احترام بينهن, بروحها المرحة  كانت تُضفي لوناً آخر للحياة وتؤكد بأن المعنويات هي من الأساسيات والركيزة الوحيدة التي لا يجب لأحد التخلي عنها, لأنه في حال فقدانه سوف تفقد معنى الحياة.

وكما أن المقاتلة بارين تعلمت خلال مسيرتها النضالية أن الجمال هو جمال الروح والفكر وجوهر الإنسان ذاته ليس إلا, لذلك عمدت دائماً إلى إغناء نفسها والرقي بها عبر التدريب الفكري والإيديولوجي, وقراءة تحليلات القائد الأممي عبد الله أوجلان.

المقاتلة بارين كانت تُقدم المساعدة لرفيقاتها وتقوم بمسؤوليتها تجاه كل من حولها, من منطلق إيمانها بأن الرفاقية هي أسمى القيم في الحياة الثورية, وأن المرأة هي دائماً الحضن الجامع لكل مشاعر الحب والمودة والرقي بالحياة وتعزيز التعاضد فيما بينهن سوف يحققن بذلك النصر والحرية.

شجاعة بارين كوباني وإقدامها على التواجد في الخطوط الأمامية وعدم توانيها في لعب دورها في أي مكان تتواجد به, كان نابع من إيمانها بالحرية ومن معتقداتها التي أسستها على ما تلقته خلال سنوات الانضمام في تحرير المرأة من كل القيود التي كانت مكبلة بها على مدى قرون, ومواجهة كل خطر يُحدق بوطنها, فقاومت ببسالة ولم تقبل الاستسلام حتى آخر طلقة في بندقيتها, فوجهت سهام الرعب والذعر إلى قلب الاحتلال وهي حية وحتى بعد استشهادها.

جيش الاحتلال التركي ومرتزقته لم يتحملوا عناد وجسارة وإرادة المرأة الكردية, وعدم تقبلهم لخسارتهم أمام عظمة المرأة وعصيانها المتمرد على شتى أنواع الظلم والعنف, لذلك صبوا جُم غضبهم وحقدهم بالتنكيل والتمثيل بجثة المقاتلة بارين, مظهرين بذلك مدى الانحطاط الأخلاقي, وبعدهم عن القيم الإنسانية. بارين أظهرت صلابة المرأة الكردية المقاومة ومدى اعتناقها لمبادئ الحرية بذلك لقنت العدو درساً لا يُنسى, وبرهنت أن الثورة هي ثورة المرأة, ولا يمكن التغاضي عنها, فالمرأة سواء كانت أماً, أو سياسية أو عسكرية هي حقيقة تاريخية لا يُمكن تجاهلها ولا يحق لأحد أياً كان طمس هويتها ووجودها.

جريمة التمثيل بجسد المقاتلة بارين كوباني لم تكن النهاية, إنما سلسلة هذه الجرائم تواصلت في شمال وشرق سوريا باستهداف الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف والمقاتلة أمارا ريناس, وإن ارتكاب مثل هذه الجرائم ما هو إلا دليل على وحشية الدولة التركية, وعدم تقبلها لإيديولوجية المرأة الحرة وكيانها المُستقل, بالإضافة إلى الخوف من انهيار نظامها البعيد كل البعد عن الديمقراطية وحرية المرأة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق