المكتبة

مسيرة الفدائيات زيلان ديرسم وآرين ميركان, حملت رايتها أيقونة مقاومة العصر أفيستا خابور

المقاتلات في ثورة روج آفا انتهجن مسيرة القيادية والمناضلة زيلان كناجي وتابعن على خُطاها من أجل تحرير المرأة والشعب, من خلال عملياتهن الفدائية التي كانت لها صدى واسع النطاق, وأبهرت العالم بإرادة وعزيمة المرأة الكردية التواقة إلى الحرية وأمثالهن آرين ميركان رمز مقاومة كوباني, وأفيستا خابور أيقونة مقاومة العصر في عفرين.

من المُسلمات أن ما من أحد يستطيع تنفيذ العمليات الفدائية الفذة والمؤثرة إلا من أستطاع توحيد عقله وقلبه وأغناها بالفكر الحر و بإيديولوجية القائد الأممي عبد الله أوجلان، أؤلئك من يخلقن بعماليتهن فرصة لتصعيد وتيرة النضال والمقاومة, وبهذه الروح العالية يخلقن أهدافاً عظيمة.

عندما نبحث في تاريخ نضال حركة المرأة الكردستانية التي تناضل من أجل الإنسانية والقيم والمبادئ السامية, لابد لنا من الوقوف لاستذكار المقاتلات اللواتي ضحين بأنفسهن في سبيل الدفاع عن حرية المرأة والمجتمع لخلق حياة جديدة, ومنهن الفدائية زيلان كناجي التي هزت عرش الدولة التركية وطغيانها, وبثت الرعب و الخوف بينهم, فأثبتت للصديق قبل العدو أن الإيديولوجية أي الفكر الحر المُتلاحم مع روح المسؤولية, تخطت تمثيل الإنسان لوحده وباتت البنية القويمة لتنظيم المُجتمع وإعادة إحياءه من السبات الذي عاشه لسنين طويلة.

الشهيدة زيلان من شدة عشقها للحياة والعمل على الوصول بها إلى الذروة, كانت من القادرات على بناء مجتمع حر لأنها كانت مُدركة بآلام شعبها المُضطهد, حيث نفذت عمليتها الاستشهادية في مرحلة مصيرية, كان فيها الشعب الكردي يتعرض لهجمات وحشية, وللإبادة العرقية, وللمؤامرات التي استهدفت الشعب الكردي للنيل من إرادته وكسر عزيمته عبر استهداف القائد عبدالله أوجلان,  فكانت هذه العملية الأولى والفريدة من نوعها في تاريخ الحركة الثورية, فالعملية التي قامت بها هي قمة من التجديد والإصرار على بلوغ الأهداف السامية.

والقائد عبد الله أوجلان قيم عملية المناضلة زيلان مفسراً ذلك بقوله:” عندما يكون الإنسان مرتبطاً ومتعلقاً بهدفه ومنظماً نفسه جيداً في ذلك يمكنه تحقيق النصر المؤزر”.

زيلان كناجي من منطقة” ملاطيا” من موليد 1972م, كانت خريجة جامعة” أينونو” قسم علم النفس وكانت متزوجة, عندما أدركت آلام شعبها وما يعانيه من ظلم واضطهاد اختارت طريق الحرية ولم تقبل بحياة يكون فيها وطنها وشعبها تحت نير الاستعمار.

الشهيدة زيلان كانت قدوة في حياتها الرفاقية وعشقها للجبال وغيرتها على وطنها, وبقيامها بعمليتها الفدائية أصبحت تجربة غنية وتاريخاً للمقاومة والعصيان وعدم الخنوع للذل للنساء اللواتي اتخذن طريق الحرية, هذه المسيرة والعملية لم تتوقف بل على العكس تماماً فالمقاتلات في روج آفا خلال ثورتهن اتخذن مسيرة المناضلة زيلان نهجاً ونبراساً لهن للوصول إلى الحرية وكسر شوكة الأعداء, وفي بناء شخصيتهن النضالية, وخير مثال على ذلك الفدائية آرين ميركان رمز مقاومة كوباني التي بعمليتها الفدائية عرفت العالم بأكمله على أن النساء في روج آفا لا يقبلن الذل ولا يعرفن الانحناء للعدو, وأثبتت بأن المرأة الكردية قادرة على الوقوف ضد أي تهديد يُهدد كيان ووجود الشعب الكردي, و أصبحت شعلة أنارت طريق النساء أجمع.

كانت آرين ميركان تتحلى بروح المسؤولية والتفاني, بالإضافة إلى حسها العالي وروحها الوطنية التي تغذت عليه من فكر وفلسفة القائد الأممي عبد الله أوجلان الذي أعطى دوراً ريادياً للمرأة, و بتوجيهاته وفكره حس المرأة على بناء شخصيتها المُستقلة, وعلى أن تكون صاحبة إرادة وإصرار, ف آرين ميركان كانت قدوة للفداء والنضال في وجه الاحتلال والذهنية الذكورية التي تتغذى على استغلال قوة المرأة وتاريخها, جاعلة من نفسها وروحها شعلة مضيئة تنير بها درب نساء الشرق الأوسط والعالم برمته, وذلك بتسطيرها أروع الملاحم البطولية.

المقاتلة الفدائية آرين ميركان كانت تردد دائماً وتقول:” أريد أن أفعل شيئاً لم يفعله أحد غيري”.

المناضلة آرين ميركان كانت محط ومنبع المعنويات بالنسبة لرفاقها في جبهات القتال, فإيمانها بفكر القائد هو الذي جعلها مصدراً للقوة والعزيمة التي كانت تمدها لرفيقاتها, وبابتسامتها التي لم تكن تفارق وجهها وحيويتها اللامتناهية كانت تدخل السعادة والتفاؤل إلى قلوب كل من حولها.

نفذت المناضلة آرين ميركان عمليتها الفدائية في الخامس من شهر تشرين الأول لعام 2014م, التي هزت العالم بعمليتها ضد مرتزقة داعش لمنع دخولها إلى أرضها, وعدم تدنيسها برجسهم الإرهابي, فكانت صفعة قوية لداعش ومن يدعمها, ودرساً لن يُنسى عبر التاريخ لمن أراد ويريد احتلال الأرض الكردية, وهذه العملية هي امتداد لميراث المناضلة زيلان كناجي وهذا التاريخ مستمر حتى الوصول إلى الحرية المنشودة.

المقاومة والعمليات الفدائية التي كانت زيلان قائدتها, وآرين ميركان استمراريتها, واللواتي نقشن بروحهن ودمائهن أسمى آيات النضال لجميع النساء متواصلة دون انقطاع, حيث أحيت المناضلة أفيستا خابور ذاك الروح في مقاومة عفرين التي سُميت ب” مقاومة العصر” بعمليتها الفدائية ضد ثاني قوة في حلف الناتو, وبدأت بذلك مرحلة جديدة من المقاومة, وكانت سداً منيعاً ردتهم خائبين أمام عظمتها وهيبتها وجرأتها اللامتناهية.

مقاومة عفرين” مقاومة العصر” التي دامت 58يوماً, استمدت قوتها في ردع الاحتلال التركي الهمجي, من جذور شجرة الزيتون رمز السلام والديمقراطية, تلك الشجرة المُعمرة الملتحمة مع ثرى عفرين كالجسد الواحد, وكعلاقة الطفل برحم أمه حيث لا ينفصل أحدهما عن الآخر, هذه المدينة التي لا تتجاوز مساحتها الجغرافية 3800كم مربع, هوجمت من قبل الدولة التركية ومرتزقتها بتاريخ 20 كانون الثاني عام2018م, بتحليق ل 72 طائرة حربية, وكافة الأسلحة الثقيلة والمُحرمة دولياً, واحتلت من قبل الفاشية التركية بتاريخ 18آذار من ذات العام, هذه المقاومة التاريخية التي أعطت صدىً واسعاً في العالم أجمع في ظل صمت وتخاذل دولي, وبضوء أخضر من روسيا. عفرين لم تكن لقمة سائغة للعدوان وجحافله الإرهابية, وكانت بأطفالها ونساءها وكبار السن أرتع حصن في مواجهة الاحتلال وترسانته, حيث سطر الأهالي مع مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة أعظم الملاحم الأسطورية التي يشهد لها تاريخ الحالي, جنباً إلى جنب قاوموا بكل ما أوتيوا من قوة وعزيمة أمام من حوال تدنيس ترابها المُقدس, ومما لاشك فيه أن هذه المقاومة ستستمر حتى تحرير عفرين.

ومن بين لهيب النيران التي استعرت في مقاومة العصر, خرجت المناضلة أفيستا خابور المقاتلة في وحدات حماية المرأة وعضوة مكافحة الإرهاب(YAT), لتقول للعالم أن من يحاول تدنيس أرضي لن نتهاون معه وسيكون جوابنا لهم المقاومة والنضال, أفيستا ابنة عفرين الجسورة التي لم تتوانى ولو للحظة عن مسؤولياتها الثورية ولم تعترف بالصعوبات والعراقيل مهما كانت, وتصدت بجسدها أمام جيش هتلر الجديد( أردوغان) وهي مؤمنة بأن الإرادة والمقاومة هي السبيل الوحيد لدرء العدوان.

المقاتلة أفيستا خابور من العضوات الأوائل في وحدات مكافحة الإرهاب (YAT) في عام 2014م, كانت تُعرف بخيالها الخصب حيث كانت مكرسة حياتها النضالية لأهداف سامية و دائماً تطمح بأن تكون صاحبة عملية كبيرة مثل زيلان وآرين وبريتان, ومن هذا المنطلق كانت تطور نفسها وتدربه, وهي لم تكن تعرف الكتابة والقراءة باللغة الكردية إلا أنها بتصميمها تعلمت وبذلك كانت تقرأ كتب القائد عبدالله أوجلان.

وعُرفت المقاتلة أفيستا خابور بروحها وحسها الوطني العاليين, فهي منذ نعومة أظافرها تعلمت الاعتماد على الذات, كما وأنها نقشت في قلوب كل من عرفها في صغرها وبعد انضمامها الكثير من المواقف واللحظات الرائعة لطيبة قلبها و تواضعها, وتفانيها وحبها للعمل جعل من شخصيتها مؤهلة للتقدم والتطور حيث لم تكن تعرف الكلل أو الملل, وكانت ذي شخصية قيادية تبحث دائماً عن التجديد والتعمق في تاريخ المرأة وفكرها الذي سُلب منها, باحثة عن الحلول للتخلص من الذهنية الذكورية للوصول إلى حريتها وذلك عن طريق التدريب و قراءة كل ما يتعلق بشؤون المرأة في كتب القائد الأممي عبد الله أوجلان وتستلهم منه الفكر الحر والجسارة والإقدام على العمل وبناء شخصيتها في هذا المنحى.

واتسمت شخصية المناضلة أفيستا بالجدية,  وإلى جانب ذلك كانت شخصية عميقة وبمقدورها التعمق في شخصيات كل من حولها, وكانت تسعى على الدوام لإثبات ذاتها ووجودها من خلال التدريبات العسكرية والفكرية التي تلقتها عبر مسيرتها النضالية, وهذا ما أكسبها التجارب والخبرات وتكون تلك الشخصية التي تسعى إليها المرأة الحرة.

كانت للمقاتلة أفيستا صوتاً عذباً يضفي عليها جمال طبيعة عفرين و هيبة جبالها, حيث كانت تردد الأغاني الثورية بكل إحساس ورقة, وكانت تغني مندمجة مع خيالها الحر لتدخل السعادة إلى قلوب رفيقاتها. وحين النظر إلى عيناها كانتا مليئتان كنت لتشاهد قوة تلك المرأة المقاتلة المحاربة من أجل حريتها, بالإضافة إلى التفاؤل والأمل.

المقاتلة أفيستا خابور خلال مسيرتها النضالية ذات مميزات كبيرة وصفات استطاعت من خلالها الوصول إلى قلوب كل من عرفها, وروحها الرفاقية كانت على أسس و مبادئ  سامية في العلو بهذه الحياة, وترسيخ أسس الديمقراطية, كانت السند المتين لرفيقاتها دائماً في وقت الصعاب, ولم تتأخر يوماً عن تأدية واجباتها الرفاقية, لم تكن تحب التكرار في شخصيتها أو في النقد الذي يوجه إليها فهي على الدوام كانت مثل ينبوع ينبثق منها التطور, كانت قدوة للمرأة المقاتلة الطموحة والغيورة على مصلحة شعبها وقضيتها, وخاصة فيما يتعلق بتحرير المرأة من العبودية والظلم المفروض عليها وإيصالها إلى حريتها, و إلى جانب ذلك تعلقها بتراب وطنها هذا كله  ما دفعها إلى أن تُقدم على عمليتها الفدائية لتحمي بذلك قيم شعبها والإنسانية من العبودية والإرهاب.

ونفذت المقاتلة أفيستا عمليتها الفدائية بتاريخ 27-01-2018م, في قرية حمام التابعة لجنديرس في مقاطعة عفرين, لتوصل للعالم والإنسانية التي غضت أعينها عن جرائم ومجازر الدولة التركية رسالة مفادها بأن المرأة الكردية لن تتهاون في أي لحظة عن تقديم جسدها قرباناً لحماية شعبها وأرضها, وأن المرأة باستطاعتها قيادة الثورات وتحقيق الانتصارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق